الحال يجيء بعد فعل قد شغل بفاعله فينصب ، كما ينصب المفعول الذي يأتي بعد الفعل الذي قد شغل بفاعله ، قالوا : ونظير قوله :
مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً
في نصب الذهب في الكلام : لي مثلك رجلا ، بمعنى : لي مثلك من الرجال .
وزعموا أن نصب الرجل لاشتغال الإضافة بالاسم ، فنصب كما ينصب المفعول به لاشتغال الفعل بالفاعل ، وأدخلت الواو في قوله :
وَلَوِ افْتَدى بِهِ
لمحذوف من الكلام بعده دل عليه دخول الواو ، كالواو في قوله :
وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
. وتأويل الكلام : وليكون من الموقنين ، أريناه ملكوت السماوات والأرض ، فكذلك ذلك في قوله :
وَلَوِ افْتَدى بِهِ
، ولو لم يكن في الكلام واو ، لكان الكلام صحيحا ، ولم يكن هنالك متروك وكان : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا لو افتدى به . القول في تأويل قوله تعالى :
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
يعني بذلك جل ثناؤه : لن تدركوا أيها المؤمنون البر ، وهو البر من الله الذي يطلبونه منه بطاعتهم إياه وعبادتهم له ، ويرجونه منه ، وذلك تفضله عليهم بإدخالهم جنته ، وصرف عذابه عنهم ؛ ولذلك قال كثير من أهل التأويل : البر : الجنة ، لأن بر الرب بعبده في الآخرة وإكرامه إياه بإدخاله الجنة . ذكر من قال ذلك . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن شريك ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون في قوله :
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ
قال : الجنة . حدثني المثنى ، قال : ثنا الحماني ، قال : ثنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون في قوله :
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ
قال : البر : الجنة . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ
أما البر . فالجنة . فتأويل الكلام : لن تنالوا أيها المؤمنون جنة ربكم ، حتى تنفقوا مما تحبون ، يقول : حتى تتصدقوا مما تحبون وتهوون أن يكون لكم من نفيس أموالكم . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
يقول : لن تنالوا بر ربكم حتى تنفقوا مما يعجبكم ومما تهوون من أموالكم . حدثني محمد بن سنان ، قال :
ثنا أبو بكر ، عن عباد ، عن الحسن ، قوله :
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
قال : من المال . وأما قوله :
وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
فإنه يعني به : ومهما تنفقوا من شيء فتتصدقوا به من أموالكم ، فإن الله تعالى ذكره بما يتصدق به المتصدق منكم ، فينفقه مما يحب من ماله في سبيل الله ، وغير ذلك عليم ، يقول : هو ذو علم بذلك كله ، لا يعزب عنه شيء منه حتى يجازي صاحبه عليه جزاءه في الآخرة . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
يقول : محفوظ لكم ذلك الله به عليم شاكر له . وبنحو التأويل الذي قلنا تأول هذه الآية جماعة من الصحابة والتابعين . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل :
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
قال : كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى في قتال سعد بن أبي وقاص ، فدعا بها عمر بن الخطاب ، فقال : إن الله يقول :
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
فأعتقها عمر . وهي مثل قول الله عز وجل :
وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن أبن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله سواء . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن حميد ، عن أنس بن مالك ، قال : لما نزلت هذه الآية :
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
أو هذه الآية :
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً
قال أبو طلحة : يا رسول الله حائطي الذي بكذا وكذا صدقة ، ولو استطعت أن أجعله سرا لم أجعله علانية . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اجعلها في فقراء أهلك " . حدثني المثنى ، قال : ثنا الحجاج بن المنهال ، قال : ثنا حماد ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك ، قال : لما نزلت هذه الآية :
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
قال أبو طلحة : يا رسول الله ، إن الله يسألنا من أموالنا ، أشهد أني قد جعلت أرضي بأريحا لله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اجعلها في قرابتك " .