الفاسقون ، يعني بذلك : الخارجون من دين الله ، وطاعة ربهم . كما : حدثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن هاشم ، قال : أخبرنا سيف بن عمر ، عن أبي روق ، عن أبي أيوب ، عن علي بن أبي طالب : فمن تولى عنك يا محمد بعد هذا العهد من جميع الأمم ، فأولئك هم الفاسقون ، هم العاصون في الكفر . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه قال أبو جعفر : يعني الرازي :
فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ
يقول : بعد العهد والميثاق الذي أخذ عليهم ، فأولئك هم الفاسقون . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، مثله . وهاتان الآيتان وإن كان مخرج الخبر فيهما من الله عز وجل بما أخبر أنه شهد ، وأخذ به ميثاق من أخذ ميثاقه به عن أنبيائه ورسله ، فإنه مقصود به إخبار من كان حوالي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل أيام حياته صلى الله عليه وسلم ، عما لله عليهم من العهد في الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ومعني تذكيرهم ما كان الله آخذا على آبائهم وأسلافهم من المواثيق والعهود ، وما كانت أنبياء الله عرفتهم وتقدمت إليهم في تصديقه واتباعه ونصرته على من خالفه ، وكذبه ، وتعريفهم ما في كتب الله التي أنزلها إلى أنبيائه التي ابتعثهم إليهم من صفته وعلامته . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً
اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الحجاز من مكة والمدينة وقراء الكوفة : " أفغير دين الله تبغون " ، " وإليه ترجعون " ، على وجه الخطاب . وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز :
أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ . . .
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
بالياء كلتيهما على وجه الخبر عن الغائب . وقرأ ذلك بعض أهل البصرة :
أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ
على وجه الخبر عن الغائب ، " وإليه ترجعون " بالتاء ، على وجه المخاطبة . وأولى ذلك بالصواب قراءة من قرأ : " أفغير دين الله تبغون " على وجه الخطاب " وإليه ترجعون " بالتاء ، لأن الآية التي قبلها خطاب لهم ، فإتباع الخطاب نظيره أولى من صرف الكلام إلى غير نظيره ، وإن كان الوجه الآخر جائزا لما قد ذكرنا فيما مضى قبل من أن الحكاية يخرج الكلام معها أحيانا على الخطاب كله ، وأحيانا على وجه الخبر عن الغائب ، وأحيانا بعضه على الخطاب ، وبعضه على الغيبة ، فقوله : " تبغون . . . وإليه ترجعون " في هذه الآية من ذلك . وتأويل الكلام : يا معشر أهل الكتاب : " أفغير دين الله تبغون " يقول : أفغير طاعة الله تلتمسون وتريدون
وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
يقول : وله خشع من في السماوات والأرض ، فخضع له بالعبودية ، وأقر له بإفراد الربوبية ، وانقاد له بإخلاص التوحيد والألوهية
طَوْعاً وَكَرْهاً
يقول : أسلم لله طائعا ، من كان إسلامه منهم له طائعا ، وذلك كالملائكة والأنبياء والمرسلين ، فإنهم أسلموا لله طائعين ، وكرها من كان منهم كارها .
واختلف أهل التأويل في معنى إسلام الكاره الإسلام ، وصفته ، فقال بعضهم : إسلامه : إقراره بأن الله خالقه وربه ، وإن أشرك معه في العبادة غيره . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد :
وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
قال : هو كقوله :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ، مثله .
حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله :
وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
قال : كل آدمي قد أقر على نفسه بأن الله ربي وأنا عبده ، فمن أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرها ، ومن أخلص له العبودية فهو الذي أسلم طوعا . وقال آخرون :
بل إسلام الكاره منهم كان حين أخذ منه الميثاق ، فأقر به . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس :
وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً
قال : حين أخذ الميثاق . وقال آخرون : عنى بإسلام الكاره منهم : سجود ظله . ذكر من قال ذلك : حدثنا