تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
النبيين من أجل الذي آتاهم من كتاب وحكمة ، ثم جاءكم رسول : يعني : ثم إن جاءكم رسول ، يعني ذكر محمد في التوراة ، لتؤمنن به ، أي ليكونن إيمانكم به للذي عندكم في التوراة من ذكره . وقال آخرون منهم : تأويل ذلك إذا قرئ بكسر اللام من " لما " . وإذ أخذ الله ميثاق النبيين للذي آتاهم من الحكمة ، ثم جعل قوله : لتؤمنن به من الأخذ ، أخذ الميثاق ، كما يقال في الكلام : أخذت ميثاقك لتفعلن لأن أخذ الميثاق بمنزلة الاستحلاف . فكان تأويل الكلام عند قائل هذا القول : وإذا استحلف الله النبيين للذي آتاهم من كتاب وحكمة ، متى جاءهم رسول مصدق لما معهم ليؤمنن به ولينصرنه . وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ
بفتح اللام ، لأن الله عز وجل أخذ ميثاق جميع الأنبياء بتصديق كل رسول له ابتعثه إلى خلقه فيما ابتعثه به إليهم ، كان ممن آتاه كتابا ، أو من لم يؤته كتابا . وذلك أنه غير جائز وصف أحد من أنبياء الله عز وجل ورسله ، بأنه كان ممن أبيع له التكذيب بأحد من رسله . فإذا كان ذلك كذلك ، وكان معلوما أن منهم من أنزل عليه الكتاب ، وأن منهم من لم ينزل عليه الكتاب ، كان بينا أن قراءة من قرأ ذلك : " لما آتيتكم " بكسر اللام ، بمعنى : من أجل الذي آتيتكم من كتاب ، لا وجه له مفهوم إلا على تأويل بعيد ، وانتزاع عميق . ثم اختلف أهل التأويل فيمن أخذ ميثاقه بالإيمان بمن جاءه من رسل الله مصدقا لما معه ، فقال بعضهم : إنما أخذ الله بذلك ميثاق أهل الكتاب ، دون أنبيائهم ، واستشهدوا لصحة قولهم بذلك بقوله :
لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ
قالوا : فإنما أمر الذين أرسلت إليهم الرسل من الأمم بالإيمان برسل الله ، ونصرتها على من خالفها . وأما الرسل فإنه لا وجه لأمرها بنصرة أحد ، لأنها المحتاجة إلى المعونة على من خالفها من كفرة بني آدم ، فأما هي فإنها لا تعين الكفرة على كفرها ولا تنصرها . قالوا : وإذا لم يكن غيرها وغير الأمم الكافرة ، فمن الذي ينصر النبي ، فيؤخذ ميثاقه بنصرته ؟ ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ
قال : هي خطأ من الكاتب ، وهي في قراءة ابن مسعود : " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب " . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ
يقول : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ، وكذلك كان يقرؤها الربيع : " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب " ، إنما هي أهل الكتاب ، قال : وكذلك كان يقرؤها أبي بن كعب ، قال الربيع : ألا ترى أنه يقول :
ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ
يقول . : لتؤمنن بمحمد صلى الله عليه وسلم ولتنصرنه ، قال : هم أهل الكتاب . وقال آخرون : بل الذين أخذ ميثاقهم بذلك الأنبياء دون أممها . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى وأحمد بن حازم قالا : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا سفيان ، عن حبيب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه طاوس في قوله :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ
أن يصدق بعضهم بعضا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن ابن طاوس ، عن أبيه طاوس في قوله :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ
الآية ، قال : أخذ الله ميثاق الأول من الأنبياء ليصدقن وليؤمنن بما جاء به الآخر منهم . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن هاشم ، قال : أخبرنا سيف بن عمر ، عن أبي روق ، عن أبي أيوب ، عن علي بن أبي طالب ، قال : لم يبعث الله عز وجل نبيا ، آدم فمن بعده ، إلا أخذ عليه العهد في محمد : لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ، ويأمره فيأخذ العهد على قومه ، فقال :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ
الآية . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ