تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسمع به أهل نجران ، أتاه منهم أربعة من خيارهم ، منهم : العاقب ، والسيد ، وما سرجس ، ومار يحز ، فسألوه ما يقول في عيسى ؟ فقال : هو عبد الله وروحه وكلمته ، قالوا هم : لا ، ولكنه هو الله ، نزل من ملكه ، فدخل في جوف مريم ، ثم خرج منها فأرانا قدرته وأمره ، فهل رأيت قط إنسانا خلق من غير أب ؟ فأنزل الله عز وجل :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
حدثنا القاسم ، قال ثنا الحسين ، قال ثني حجاج ، عن ابن جريح ، عن عكرمة ، قوله :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
قال : نزلت في العاقب والسيد من أهل نجران ، وهما نصرانيان . قال ابن جريج : بلغنا أن نصارى أهل نجران قدم وفدهم على النبي صلى الله عليه وسلم ، فيهم السيد والعاقب ، وهما يومئذ سيدا أهل نجران ، فقالوا : يا محمد فيما تشتم صاحبنا ؟ قال : " من صاحبكما ؟ " قالا : عيسى ابن مريم ، تزعم أنه عبد . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أجل إنه عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه " ، فغضبوا وقالوا : إن كنت صادقا ، فأرنا عبدا يحيي الموتى ، ويبريء الأكمة ، ويخلق من الطين كهيئة الطير ، فينفخ فيه ، الآية لكنه الله فسكت حتى أتاه جبريل ، فقال : يا محمد
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ
الآية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا جبريل إنهم سألوني أن أخبرهم بمثل عيسى " . قال جبريل : مثل عيسى كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون . فلما أصبحوا عادوا ، فقرأ عليهم الآيات . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ
فاسمع
كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
فإن قالوا : خلق عيسى من غير ذكر ، فقد خلقت آدم من تراب بتلك القدرة ، من غير أنثى ولا ذكر فكان كما كان عيسى لحما ودما وشعرا وبشرا ، فليس خلق عيسى من غير ذكر بأعجب من هذا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قول الله عز وجل
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
قال : أتى نجرانيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا له : هل علمت أن أحدا ولد من غير ذكر فيكون عيسى كذلك ؟ قال : فأنزل الله عز وجل :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
أكان لآدم أب أو أم ، كما خلقت هذا في بطن هذه ؟ فإن قال قائل : فكيف قال : " كمثل آدم خلقه " ، وآدم معرفة ، والمعارف لا توصل ؟ قيل : إن قوله :
خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
غير صلة لآدم ، وإنما هو بيان عن أمره على وجه التفسير عن المثل الذي ضربه وكيف كان . وأما قوله :
ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
فإنما قال : " فيكون " ، وقد ابتدأ الخبر عن خلق آدم ، وذلك خبر عن أمر قد تقضى ، وقد أخرج الخبر عنه مخرج الخبر عما قد مضى ، فقال جل ثناؤه :
خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ
لأنه بمعنى الإعلام من الله نبيه أن تكوينه الأشياء بقوله :
كُنْ
ثم قال :