تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
اتبعوك ، والذين كفروا بك ، فأحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون . ولكن رد الكلام إلى الخطاب لسوق القول على سبيل ما ذكرنا من الكلام الذي يخرج عل وجه الحكاية ، كما قال :
حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ
القول في تأويل قوله تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ
يعني بقوله جل ثناؤه :
فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا
فأما الذين جحدوا نبوتك يا عيسى ، وخالفوا ملتك ، وكذبوا بما جئتهم به من الحق ، وقالوا فيك الباطل ، وأضافوك إلى غير الذي ينبغي أن يضيفوك إليه من اليهود والنصارى ، وسائر أصناف الأديان ؛ فإني أعذبهم عذابا شديدا ؛ أما في الدنيا فبالقتل والسباء والذلة والمسكنة ؛ وأما في الآخرة ، فبنار جهنم خالدين فيها أبدا .
وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ
يقول : وما لهم من عذاب الله مانع ، ولا عن أليم عقابه لهم دافع بقوة ولا شفاعة ، لأنه العزيز ذو الانتقام . وأما قوله :
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
فإنه يعني تعالى ذكره : وأما الذين آمنوا بك يا عيسى ، يقول : صدقوك فأقروا بنبوتك ، وبما جئتهم به من الحق من عندي ، ودانوا بالإسلام الذي بعثتك به ، وعملوا بما فرضت من فرائضي على لسانك ، وشرعت من شرائعي ، وسننت من سنني . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
يقول : أدوا فرائضي ، فيوفيهم أجورهم ، يقول : فيعطيهم جزاء أعمالهم الصالحة كاملا لا يبخسون منه شيئا ولا ينقصونه . وأما قوله :
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
فإنه يعني : والله لا يحب من ظلم غيره حقا له ، أو وضع شيئا في غير موضعه . فنفى جل ثناؤه عن نفسه بذلك أن يظلم عباده ، فيجازي المسئ ممن كفر جزاء المحسنين ممن آمن به ، أو يجازي المحسن ممن آمن به واتبع أمره وانتهى عما نهاه عنه فأطاعه ، جزاء المسيئين ممن كفر به وكذب رسله وخالف أمره ونهيه ، فقال : إني لا أحب الظالمين ، فكيف أظلم خلقي . وهذا القول من الله تعالى ذكره ، وإن كان خرج مخرج الخبر ، كأنه وعيد منه للكافرين به وبرسله ، ووعد منه للمؤمنين به وبرسله ، لأنه أعلم الفريقين جميعا أنه لا يبخس هذا المؤمن حقه ، ولا يظلم كرامته ، فيضعها فيمن كفر به ، وخالف أمره ونهيه ، فيكون لها بوضعها في غير أهلها ظالم . القول في تأويل قوله تعالى :
ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ
يعني بقوله جل ثناؤه : ذلك هذه الأنباء التي أنبأ بها نبيه عن عيسى وأمه مريم ، وأمها حنة ، وزكريا وابنه يحيى ، وما قص من أمر الحواريين ، واليهود من بني إسرائيل ؛ نتلوها عليك يا محمد ، يقول : نقرؤها عليك يا محمد ، على لسان جبريل ، بوحيناها إليك
مِنَ الْآياتِ
يقول : من العبر والحجج ، على من حاجك من وفد نصارى نجران ويهود بني إسرائيل ، الذين كذبوك ، وكذبوا ما جئتهم به من الحق من عندي .
وَالذِّكْرِ
يعني : والقرآن
الْحَكِيمِ
يعني : ذي الحكمة الفاصلة بين الحق والباطل ،
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 206 | محمد بن جرير الطبري