" فيكون " خبرا مبتدأ ، وقد تناهى الخبر عن أمر آدم عند قوله : " كن " . فتأويل الكلام إذا : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ، خلقه من تراب ، ثم قال له كن ؛ واعلم يا محمد أن ما قال له ربك : كن ، فهو كائن . فلما كان في قوله :
كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ
دلالة على أن الكلام يراد به إعلام نبي الله صلى الله عليه وسلم وسائر خلقه أنه كائن ما كونه ابتداء من غير أصل ولا أول ولا عنصر ، استغنى بدلالة الكلام على المعنى ، وقيل : فيكون ، فعطف بالمستقبل على الماضي على ذلك المعنى . وقد قال بعض أهل العربية : فيكون رفع على الابتداء ومعناه : كن فكان ، فكأنه قال : فإذا هو كائن . القول في تأويل قوله تعالى :
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
يعني بذلك جل ثناؤه : الذي أنباتك به من خبر عيسى ، وأن مثله كمثل آدم خلقه من تراب . ثم قال له ربه : كن هو الحق من ربك ، يقول : هو الخبر الذي هو من عند ربك ؛
فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
يعني : فلا تكن من الشاكين في أن ذلك كذلك . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
يعني فلا تكن في شك من عيسى أنه كمثل آدم عبد الله ورسوله ، وكلمة الله وروحه . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قوله :
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
يقول :
فلا تكن في شك مما قصصنا عليك أن عيسى عبد الله ورسوله وكلمة منه وروح ، وأن مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير :
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
ما جاءك من الخبر عن عيسى ،
فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
أي قد جاءك الحق من ربك فلا تمتر فيه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
قال : والممترون :
الشاكون . والمرية والشك والريب واحد سواء كهيئة ما تقول : أعطني وناولني وهلم ، فهذا مختلف في الكلام وهو واحد . القول في تأويل قوله تعالى :
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ
يعني بقوله جل ثناؤه :
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ
فمن جادلك يا محمد في المسيح عيسى ابن مريم . والهاء في قوله :
فِيهِ
عائدة على ذكر عيسى ، وجائز أن تكون عائدة على الحق الذي قال تعالى ذكره :
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
ويعني بقوله :
مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ
من بعد ما جاءك من العلم الذي قد بينته لك في عيسى أنه عبد الله .
فَقُلْ تَعالَوْا
هلموا فلندع أبناءنا وأبناءكم ، ونساءنا ونساءكم ، وأنفسنا وأنفسكم ،
ثُمَّ نَبْتَهِلْ
يقول : ثم نلتعن ، يقال في الكلام : ما له بهله الله أي لعنه الله ، وما له عليه بهلة الله يريد اللعن . وقال لبيد ، وذكر قوما هلكوا ، فقال :
نظر الدهر إليهم فابتهل
يعني دعا عليهم بالهلاك .
فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ
منا ومنكم في آية عيسى . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال :