تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
الأعمى . حدثني محمد بن سنان ، قال : ثنا أبو بكر الحنفي ، عن عباد بن منصور ، عن الحسن في قوله :
وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ
قال : الأعمى . وقال آخرون : هو الأعمش . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا حفص بن عمر ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة في قوله :
وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ
قال : الأعمش . والمعروف عند العرب من معنى الكمه : العمى ، يقال منه : كمهت عينه ، فهي تكمه كمها ، وأكمهتها أنا : إذا أعميتها ، كما قال سويد بن أبي كاهل :
كمهت عيناه حتى ابيضتا * فهو يلحى نفسه لما نزع
ومنه قول رؤبة :
هرجت فارتد ارتداد الأكمه * في غائلات الحائر المتهته
وإنما أخبر الله عز وجل عن عيسى صلوات الله عليه ، أنه يقول ذلك لبني إسرائيل ، احتجاجا منه بهذه العبر والآيات عليهم في نبوته ، وذلك أن الكمه والبرص لا علاج لهما ، فيقدر على إبرائه ذو طب بعلاج ، فكان ذلك من أدلته على صدق قيله ، إنه لله رسول ، لأنه من المعجزات مع سائر الآيات التي أعطاه الله إياها دلالة على نبوته . فأما ما قال عكرمة ، من أن الكمه : العمش ، وما قاله مجاهد : من أنه سوء البصر بالليل ، فلا معنى لهما ، لأن الله لا يحتج على خلقه بحجة تكون لهم السبيل إلى معارضته فيها ، ولو كان مما احتج به عيسى على بني إسرائيل في نبوته أنه يبريء الأعمش ، أو الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل لقدروا على معارضته بأن يقولوا : وما في هذا لك من الحجة ، وفينا خلق مما يعالج ذلك وليسوا لله أنبياء ولا رسلا ، ففي ذلك دلالة بينة على صحة ما قلنا من أن الأكمه : هو الأعمى الذي لا يبصر شيئا لا ليلا ولا نهارا ، وهو بما قال قتادة : من أنه المولود كذلك أشبه ، لأن علاج مثل ذلك لا يدعيه أحد من البشر ، إلا من أعطاه الله مثل الذي أعطى عيسى ، وكذلك علاج الأبرص . القول في تأويل قوله تعالى :
وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ . . .
فِي بُيُوتِكُمْ
وكان إحياء عيسى الموتى بدعاء الله ، يدعو لهم ، فيستجيب له . كما : حدثني محمد بن سهل بن عسكر ، قال : ثنا إسماعيل بن عبد الكريم ، قال : ثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول : لما صار عيسى ابن اثنتي عشرة سنة ، أوحى الله إلى أمه وهي بأرض مصر ، وكانت هربت من قومها حين ولدته إلى أرض مصر ، أن اطلعي به إلى الشام ، ففعلت الذي أمرت به فلم تزل بالشام حتى كان ابن ثلاثين سنة ، وكانت نبوته ثلاث سنين ، ثم رفعه الله إليه . قال : وزعم وهب أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفا ، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه ، ومن لم يطق منهم ذلك أتاه عيسى يمشي إليه ، وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله . وأما قوله :
وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ
فإنه يعني : وأخبركم بما تأكلونه مما لم أعاينه وأشاهده معكم في وقت