تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
الحي ، يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري : أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على بعض نسائه ، فإذا بامرأة حسنة النعمة ، فقال : " من هذه ؟ " قالت : إحدى خالاتك ، قال : " إن خالاتي بهذه البلدة لغرائب وأي خالاتي هذه ؟ " قالت : خلدة ابنة الأسود بن عبد يغوث ، قال : " سبحان الذي يخرج الحي من الميت " وكانت امرأة صالحة ، وكان أبوها كافرا . حدثني محمد بن سنان ، قال : ثنا أبو بكر الحنفي ، قال : ثنا عباد بن منصور ، عن الحسن في قوله :
تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ
قال : هل علمتم أن الكافر يلد مؤمنا ، وأن المؤمن يلد كافرا ؟ فقال : هو كذلك . وأولى التأويلات التي ذكرناها في هذه الآية بالصواب تأويل من قال : يخرج الإنسان الحي والأنعام والبهائم الأحياء من النطف الميتة ، وذلك إخراج الحي من الميت ، ويخرج النطفة الميتة من الإنسان الحي والأنعام والبهائم الأحياء ، وذلك إخراج الميت من الحي ، وذلك أن كل حي فارقه شيء من جسده ، فذلك الذي فارقه منه ميت ، فالنطفة ميتة لمفارقتها جسد من خرجت منه ، ثم ينشئ الله منها إنسانا حيا وبهائم وأنعاما أحياء ، وكذلك حكم كل شيء حي زايله شيء منه ، فالذي زايله منه ميت ، وذلك هو نظير قوله :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
وأما تأويل من تأوله بمعنى الحبة من السنبلة ، والسنبلة من الحبة ، والبيضة من الدجاجة ، والدجاجة من البيضة ، والمؤمن من الكافر ، والكافر من المؤمن ، فإن ذلك وإن كان له وجه مفهوم ، فليس ذلك الأغلب الظاهر في استعمال الناس في الكلام ، وتوجيه معاني كتاب الله عز وجل إلى الظاهر المستعمل في الناس ، أولى من توجيهها إلى الخفي القليل في الاستعمال . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته جماعة منهم :
تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ
بالتشديد وتثقيل الياء من الميت ، بمعنى أنه يخرج الشيء الحي من الشيء الذي قد مات ، ومما لم يمت . وقرأت جماعة أخرى منهم : " تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي " بتخفيف الياء من الميت . بمعنى أنه يخرج الشيء الحي من الشيء الذي قد مات دون الشيء الذي لم يمت ، وتخرج الشيء الميت دون الشيء الذي لم يمت من الشيء الحي ، وذلك أن الميت مثقل الياء عند العرب ما لم يمت وسيموت وما قد مات . وأما الميت مخففا : فهو الذي قد مات ، فإذا أرادوا النعت قالوا : إنك مائت غدا وإنهم مائتون ، وكذلك كل ما لم يكن بعد ، فإنه يخرج على هذا المثال الاسم منه ، يقال : هو الجائد بنفسه والطائبة نفسه بذلك ، وإذا أريد معنى الاسم قيل : هو الجواد بنفسه والطيبة نفسه . فإذا كان ذلك كذلك ، فأولى القراءتين في هذه الآية بالصواب قراءة من شدد الياء من الميت ، لأن الله جل ثناؤه يخرج الحي من النطفة التي قد فارقت الرجل ، فصارت ميتة ، وسيخرجه منها بعد أن تفارقه وهي في صلب الرجل ، ويخرج الميت من الحي ، النطفة التي تصير بخروجها من الرجل الحي ميتا ، وهي قبل خروجها منه حية ، فالتشديد أبلغ في المدح أكمل في الثناء . القول في تأويل قوله تعالى :
وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
يعني بذلك جل ثناؤه : أنه يعطى من يشاء من خلقه ، فيجود عليه بغير محاسبة منه لمن أعطاه ، لأنه لا يخاف دخول انتقاص في خزائنه . ولا الفناء على ما بيده . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله :
وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
قال : يخرج الرزق من عنده بغير حساب ، لا يخاف أن ينقص ما عنده تبارك وتعالى . فتأويل الآية إذا : اللهم يا مالك الملك ، تؤتي الملك من تشاء ، وتنزع الملك ممن تشاء ، وتعز من تشاء ، وتذل من تشاء ، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ، دون من ادعى الملحدون أنه لهم إله ورب وعبدوه دونك ،