تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
حجة ذلك بأنه القراءة الصحيحة ، بالنقل المستفيض الذي يمتنع منه الخطأ . القول في تأويل قوله عز وجل :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
يعني تعالى ذكره بذلك : ويخوفكم الله من نفسه أن تركبوا معاصيه أو توالوا أعداءه ، فإن مرجعكم ومصيركم بعد مماتكم ، ويوم حشركم لموقف الحساب ، يعنى بذلك : متى صرتم إليه ، وقد خالفتم ما أمركم به ، وأتيتم ما نهاكم عنه من اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، نالكم من عقاب ربكم ما لا قبل لكم به ، يقول : فاتقوه واحذروه أن ينالكم ذلك منه ، فإنه شديد العذاب . القول في تأويل قوله تعالى :
قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ . . .
عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
يعني بذلك جل ثناؤه : قل يا محمد للذين أمرتهم أن لا يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، إن تخفوا ما في صدوركم من موالاة الكفار فتسروه ، أو تبدوا ذلكم من أنفسكم بألسنتكم وأفعالكم ، فتظهروه يعلمه الله فلا يخفى عليه ؛ يقول : فلا تضمروا لهم مودة ، ولا تظهروا لهم موالاة ، فينالكم من عقوبة ربكم ما لا طاقة لكم به ، لأنه يعلم سركم وعلانيتكم ، فلا يخفى عليه شيء منه ، وهو محصيه عليكم حتى يجازيكم عليه بالإحسان إحسانا ، وبالسيئة مثلها . كما : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : أخبرهم أنه يعلم ما أسروا من ذلك وما أعلنوا ، فقال :
إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ
وأما قوله :
وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
فإنه يعني أنه إذ كان لا يخفى عليه شيء هو في سماء أو أرض أو حيث كان ، فكيف يخفى عليه أيها القوم الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، ما في صدوركم من الميل إليهم بالمودة والمحبة ، أو ما تبدونه لهم بالمعونة فعلا وقولا . وأما قوله :
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
فإنه يعني : والله قدير على معاجلتكم بالعقوبة على موالاتكم إياهم ، ومظاهر تكموهم على المؤمنين ، وعلى ما يشاء من الأمور كلها ، لا يتعذر عليه شيء أراده ، ولا يمتنع عليه شيء طلبه . القول في تأويل قوله تعالى :
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
يعني بذلك جل ثناؤه : ويحذركم الله نفسه ، في يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا موقرا ، وما عملت من سوء
تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
. يعني : غاية بعيدة ، فإن مصيركم أيها القوم يومئذ إليه ، فاحذروه على أنفسكم من ذنوبكم . وكان قتادة يقول في معنى قوله :
مُحْضَراً
ما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله :
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً
يقول موفرا . وقد زعم أهل العربية أن معنى ذلك : واذكر يوم تجد ، وقال : إن ذلك إنما جاء كذلك ، لأن القرآن إنما نزل للأمر والذكر ، كأنه قيل لهم : اذكروا كذا وكذا ، لأنه في القرآن في غير موضع ، واتقوا يوم كذا وحين كذا . وأما " ما " التي مع عملت فبمعنى الذي ، ولا يجوز أن تكون جزء لوقوع " تجد " عليه . وأما قوله :
وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ
فإنه معطوف على قوله : " ما " الأولى ، و " عملت " صلة بمعنى الرفع ، لما قيل " تود " . فتأويل الكلام : يوم تجد كل نفس الذي عملت من خير محضرا ، والذي عملت من سوء ، تود لو أن بينها وبينه أمدا . والأمد : الغاية التي ينتهي إليها ، ومنه قول الطرماح :
كل حي مستكمل عدة العم * ر ومود إذا انقضى أمده