تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
أما أولياء : فيواليهم في دينهم ، ويطهرهم على عورة المؤمنين ، فمن فعل هذا فهو مشرك ، فقد برئ الله منه ، إلا أن يتقي منهم تقاة ، فهو يظهر الولاية لهم في دينهم والبراءة من المؤمنين . حدثني المثنى ، قال : ثنا قبيصة بن عقبة ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عمن حدثه ، عن ابن عباس :
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً
قال : التقاة : التكلم باللسان ، وقلبه مطمئن بالإيمان . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا حفص بن عمر ، قال : ثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة في قوله :
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً
قال : ما لم يهرق دم مسلم ، وما لم يستحل ماله . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله :
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
إلا مصانعة في الدنيا ومخالقة . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه عن الربيع في قوله :
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
إلى :
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً
قال : قال أبو العالية : التقية باللسان وليس بالعمل . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ قال : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً
قال : التقية باللسان من حمل على أمر يتكلم به وهو لله معصية ، فتكلم مخافة على نفسه ، وقلبه مطمئن بالإيمان ، فلا إثم عليه ، إنما التقية باللسان . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس في قوله :
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً
فالتقية باللسان : من حمل على أمر يتكلم به وهو معصية لله فيتكلم به مخافة الناس وقلبه مطمئن بالإيمان ، فإن ذلك لا يضره ، إنما التقية باللسان . وقال آخرون : معنى :
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً
إلا أن يكون بينك وبينه قرابة . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله :
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً
نهى الله المؤمنين أن يوادوا الكفار أو يتولوهم دون المؤمنين ، وقال الله :
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً
الرحم من المشركين من غير أن يتولوهم في دينهم ، إلا أن يصل رحما له في المشركين . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله :
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ
قال : لا يحل لمؤمن أن يتخذ كافرا وليا في دينه ، وقوله :
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً
قال : أن يكون بينك وبينه قرابة ، فتصله لذلك . حدثني محمد بن سنان ، قال : ثنا أبو بكر الحنفي ، قال : ثنا عباد بن منصور ، عن الحسن في قوله :
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً
قال : صاحبهم في الدنيا معروفا الرحم وغيره ، فأما في الدين فلا . وهذا الذي قاله قتادة تأويل له وجه ، وليس بالوجه الذي يدل عليه ظاهر الآية : إلا أن تتقوا من الكافرين تقاة . فالأغلب من معاني هذا الكلام : إلا أن تخافوا منهم مخافة . فالتقية التي ذكرها الله في هذه الآية إنما هي تقية من الكفار ، لا من غيرهم ، ووجهه قتادة إلى أن تأويله : إلا أن تتقوا الله من أجل القرابة التي بينكم وبينهم تقاة ، فتصلون رحمها . وليس ذلك الغالب على معنى الكلام والتأويل في القرآن على الأغلب الظاهر من معروف كلام العرب المستعمل فيهم . وقد اختلفت القراء في قراءة قوله :
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً
فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار :
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً
على تقدير فعلة مثل تخمة وتؤدة وتكأة من اتقيت ، وقرأ ذلك آخرون : " إلا أن تتقوا منهم تقية " على مثال فعيلة . والقراءة التي هي القراءة عندنا ، قراءة من قرأها :
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً
لثبوت
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 153 | محمد بن جرير الطبري