تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
وما عليك أن تقولي كلما * صليت أو كبرت يا اللهما
أردد إلينا شيخنا مسلما
ويروى : " سبحت أو كبرت " . قالوا : ولم نر العرب زادت مثل هذه الميم إلا مخففة في نواقص الأسماء مثل فم ودم وهم قالوا : ونحن نرى أنها كلمة ضم إليها " أم " بمعنى " يا الله أمنا بخير " ، فكثرت في الكلام فاختلطت به . قالوا : فالضمه التي في الهاء من همزة " أم " لما تركت انتقلت إلى ما قبلها . قالوا : ونرى أن قول العرب هلم إلينا مثلها ، إنما كان هلم " هل " ضم إليها " أم " فتركت على نصبها . قالوا : ومن العرب من يقول إذا طرح الميم : " يا الله أغفر لي " ، " ويا الله اغفر لي " ، بهمز الألف من الله مرة ، ووصلها أخرى ، فمن حذفها أجراها على أصلها لأنها ألف ولام ، مثل الألف واللام اللتين يدخلان في الأسماء المعارف زائدين . ومن همزها توهم أنها من الحرف ، إذ كانت لا تسقط منه . وأنشدوا في همز الألف منها :
مبارك هو ومن سماه * على اسمك اللهم يا الله
قالوا : وقد كثرت اللهم في الكلام حتى خففت ميمها في بعض اللغات ، وأنشدوا .
كحلفة من أبي رياح * يسمعها اللهم الكبار
والرواة تنشد ذلك : " يسمعها لاهه الكبار " . وقد أنشده بعضهم : " يسمعها الله والكبار " . القول في تأويل قوله تعالى :
مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ
يعني بذلك : يا مالك الملك ، يا من له ملك الدنيا والآخرة خالصا دون غيره . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير قوله :
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ
أي رب العباد الملك لا يقضي فيهم غيرك . وأما قوله :
تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ
فإنه يعني : تعطي الملك من تشاء فتملكه وتسلطه على من تشاء . وقوله :
وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ
أن تنزعه منه ، فترك ذكر " أن تنزعه منه " اكتفاء بدلالة قوله :
وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ
عليه ، كما يقال : خذ ما شئت ، وكن فيما شئت ، يراد : خذ ما شئت أن تأخذه ، وكن فيما شئت أن تكون فيه ، وكما قال جل ثناؤه :
فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ
يعني : في أي صورة شاء أن يركبك فيها ركبك . وقيل : إن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم جوابا لمسألته ربه أن يجعل ملك فارس والروم لأمته نبي الله صلى الله عليه وسلم . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ؛ وذكر لنا أن نبي صلى الله عليه وسلم سأل ربه جل ثناؤه أن يجعل له ملك فارس والروم في أمته نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل :
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ
إلى :
إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن قتادة ، قال : ذكر لنا والله أعلم أن نبي الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه عز وجل أن يجعل فارس والروم في أمته نبي الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر مثله . وروي عن مجاهد أنه كان يقول : معنى الملك في هذا الموضع النبوة . ذكر الرواية عنه بذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله :
تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ
قال : النبوة . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . القول في تأويل قوله تعالى :
وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
يعني جل ثناؤه : وتعز من تشاء بإعطائه الملك والسلطان وبسط القدرة له ، وتذل من تشاء بسلبك ملكه وتسليط عدو عليه .
بِيَدِكَ الْخَيْرُ
أي كل ذلك بيدك وإليك ، لا يقدر على ذلك
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 148 | محمد بن جرير الطبري