وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة .
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ
قالوا : لن تمسنا النار إلا تحلة القسم التي نصبنا فيها العجل ، ثم ينقطع القسم والعذاب عنا . قال الله عز وجل :
وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
أي قالوا :
نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
. حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ
الآية ، قال : قالوا : لن نعذب في النار إلا أربعين يوما . قال : يعني اليهود . قال : وقال قتادة مثله ، وقالا : هي الأيام التي نصبوا فيها العجل . يقول الله عز وجل :
وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
حين قالوا :
نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قال مجاهد : قوله :
وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
قال : غرهم قولهم :
لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ
القول في تأويل قوله تعالى :
فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ
يعني بقوله جل ثناؤه :
فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ
فأي حال يكون حال هؤلاء القوم الذين قالوا هذا القول ، وفعلوا ما فعلوا من إعراضهم عن كتاب الله واغترارهم بربهم ، وافترائهم الكذب .
وذلك من الله عز وجل وعيد لهم شديد ، وتهديد غليظ . وإنما يعني بقوله :
فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ
الآية : فما أعظم ما يلقون من عقوبة الله وتنكيله بهم إذا جمعهم ليوم يوفى كل عامل جزاء عمله على قدر استحقاقه غير مظلوم فيه ، لأنه لا يعاقب فيه إلا على ما اجترم ، ولا يؤاخذ إلا بما عمل ، يحزي المحسن بإحسانه ، والمسئ بإساءته ، لا يخاف أحد من خلقه يومئذ ظلما ولا هضما . فإن قال قائل : وكيف قيل :
فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ
ولم يقل : في يوم لا ريب فيه ؟ قيل : لمخالفة معنى اللام في هذا الموضع معنى في ، وذلك أنه لو كان مكان اللام " في " لكان معنى الكلام : فكيف إذا جمعناهم في يوم القيامة ماذا يكون لهم من العذاب والعقاب ، وليس ذلك المعنى في دخول اللام ، ولكن معناه مع اللام ، فكيف إذا جمعناهم لما يحدث في يوم لا ريب فيه ، ولما يكون في ذلك اليوم من فصل الله القضاء بين خلقه ، ماذا لهم حينئذ من العقاب وأليم العذاب ؟ فمع اللام في :
لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ
نية فعل وخبر مطلوب قد ترك ذكره ، أجزأت دلالة دخول اللام في اليوم عليه منه ، وليس ذلك مع " في " فلذلك اختيرت اللام فأدخلت في " ليوم " دون " في " . وأما تأويل قوله :
لا رَيْبَ فِيهِ
فإنه لا شك في مجيئه ، وقد دللنا على أنه كذلك بالأدلة الكافية ، مع ذكر من قال ذلك في تأويله فيما مضى بما أغنى عن إعادته . وعنى بقوله :
وَوُفِّيَتْ
ووفى الله
كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ
يعني ما عملت من خير وشر ،
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
يعني أنه لا يبخس المحسن جزاء إحسانه ، ولا يعاقب مسيئا بغير جرمه . القول في تأويل قوله تعالى :
قُلِ اللَّهُمَّ
أما تأويل قوله
قُلِ اللَّهُمَّ
فإنه قل يا محمد : يا الله . واختلف أهل العربية في نصب ميم
اللَّهُمَّ
وهو منادى ، وحكم المنادى المفرد غير المضاف الرفع ، وفي دخول الميم فيه ، وهو في الأصل " الله " بغير ميم . فقال بعضهم : إنما زيدت فيه الميمان لأنه لا ينادى " يا " كما ينادى الأسماء التي لا ألف فيها ، وذلك أن الأسماء التي لا ألف ولا لام فيها تنادى " يا " ، كقول القائل : يا زيد ويا عمرو ، قال : فجعلت الميم فيه خلفا من " يا " ، كما قالوا : فم ودم وهم وزرقم وستهم ، وما أشبه ذلك من الأسماء والنعوت التي يحذف منها الحرف ، ثم يبدل مكانه ميم ، قال : فكذلك حذفت من اللهم " يا " التي ينادى بها الأسماء التي على ما وصفنا ، وجعلت الميم خلفا منها في آخر الاسم . وأنكر ذلك من قولهم آخرون ، وقالوا : قد سمعنا العرب تنادي : اللهم ب " يا " ، كما تناديه ، ولا ميم فيه . قالوا : فلو كان الذي قال هذا القول مصيبا في دعواه لم تدخل العرب " يا " ، وقد جاءوا بالخلف منها . وأنشدوا في ذلك سماعا من العرب :