تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الذين يقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس " إلى أن انتهى إلى :
وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ
. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة ، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل ، فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار في ذلك اليوم ، وهم الذين ذكر الله عز وجل " . فتأويل الآية إذا : إن الذين يكفرون بآيات الله ، ويقتلون النبيين بغير حق ، ويقتلون آمريهم بالعدل في أمر الله ونهيه ، الذين ينهونهم عن قتل أنبياء الله وركوب معاصيه . القول في تأويل قوله تعالى :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
يعني بقوله جل ثناؤه :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
فأخبرهم يا محمد ، وأعلمهم أن لهم عند الله عذابا مؤلما لهم ، وهو الموجع . وأما قوله :
أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
فإنه يعني بقوله :
أُولئِكَ
الذين يكفرون بآيات الله . ومعنى ذلك : أن الذين ذكرناهم ، هم الذين حبطت أعمالهم ، يعني بطلت أعمالهم في الدنيا والآخرة . فأما قوله :
فِي الدُّنْيا
فلم ينالوا بها محمدة ولا ثناء من الناس ، لأنهم كانوا على ضلال وباطل ، ولم يرفع الله لهم بها ذكرا ، بل لعنهم وهتك أستارهم ، وأبدى ما كانوا يخفون من قبائح أعمالهم على السن أنبيائه ورسله في كتبه التي أنزلها عليهم ، فأبقى لهم ما بقيت الدنيا مذمة ، فذلك حبوطها في الدنيا . وأما في الآخرة ، فإنه أعد لهم فيها من العقاب ما وصف في كتابه ، وأعلم عباده أن أعمالهم تصير بورا لا ثواب لها ، لأنها كانت كفرا بالله ، فجزاء أهلها الخلود في الجحيم . وأما قوله :
وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ
فإنه يعني : وما لهؤلاء القوم من ناصر ينصرهم من الله إذا هو انتقم منهم بما سلف من إجرامهم واجترائهم عليه ، فيستنقذهم منه . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ
يعني بذلك جل ثناؤه :
أَ لَمْ تَرَ
يا محمد
إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ
يقول : الذين أعطوا حظا من الكتاب ، يدعون إلى كتاب الله . واختلف أهل التأويل في الكتاب الذي عنى الله بقوله :
يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ
فقال بعضهم : هو التوراة دعاهم إلى الرضا بما فيها ، إذ كانت الفرق المنتحلة الكتب تقر بها وبما فيها أنها كانت أحكام الله قبل أن ينسخ منها ما نسخ . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يونس ، قال : ثنا محمد بن إسحاق ، قال : ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، قال : ثني سعيد بن جبير وعكرمة ، عن ابن عباس ، قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس على جماعة من يهود ، فدعاهم إلى الله ، فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد : على أي دين أنت يا محمد ؟ فقال : " على ملة إبراهيم ودينه " ، فقالا : فإن إبراهيم كان يهوديا ، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم " . فأبوا عليه ، فأنزل الله عز وجل :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ
إلى قوله :
ما كانُوا يَفْتَرُونَ
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى آل زيد ، عن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس ، فذكر نحوه ، إلا أنه قال : فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فهلما إلى التوراة " ، وقال أيضا : فأنزل الله فيهما :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 145 | محمد بن جرير الطبري