اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
يعني بذلك : ومن يجحد حجج الله وأعلامه التي نصبها ذكرى لمن عقل ، وأدلة لمن اعتبر وتذكر ، فإن الله محص عليه أعماله التي كان يعملها في الدنيا ، فمجازيه بها في الآخرة ، فإنه جل ثناؤه سريع الحساب ، يعني : سريع الإحصاء . وإنما معنى ذلك : أنه حافظ على كل عامل عمله ، لا حاجة به إلى عقد ، كما يعقده خلقه بأكفهم ، أو يعونه بقلوبهم ، ولكنه يحفظ ذلك عليهم بغير كلفة ولا مؤونة ، ولا معاناة لما يعانيه غيره من الحساب . وبنحو الذي قلنا في معنى
سَرِيعُ الْحِسابِ
كان مجاهد يقول . حدثني محمد بن عمرو ، قال :
ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله عز وجل :
وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
قال : إحصاؤه عليهم . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد :
وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
إحصاؤه . القول في تأويل قوله تعالى :
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ
يعني بذلك جل ثناؤه : فإن حاجك يا محمد النفر من نصارى أهل نجران في أمر عيسى صلوات الله عليه ، فخاصموك فيه بالباطل ، فقل : انقدت لله وحده بلساني وقلبي وجميع جوارحي ، وإنما خص جل ذكره بأمره بأن يقول : أسلمت وجهي لله ، لأن الوجه أكرم جوارح ابن آدم عليه ، وفيه بهاؤه وتعظيمه فإذا خضع وجهه لشيء ، فقد خضع له الذي هو دونه في الكرامة عليه من جوارح بدنه . وأما قوله :
وَمَنِ اتَّبَعَنِ
فإنه يعني : وأسلم من اتبعني أيضا وجهه لله معي ، ومن معطوف بها على التاء في " أسلمت " . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير :
فَإِنْ حَاجُّوكَ
أي بما يأتونك به من الباطل من قولهم : خلقنا ، وفعلنا ، وجعلنا ، وأمرنا ، فإنما هي شبه باطلة قد عرفوا ما فيها من الحق ، فقل : أسلمت وجهي لله ومن اتبعني . القول في تأويل قوله تعالى :
وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا
يعني بذلك جل ثناؤه : وقل يا محمد للذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى ، والأميين الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب أأسلمتم ؟ يقول : قل لهم : هل أفردتم التوحيد ، وأخلصتم العبادة والألوهة لرب العالمين دون سائر الأنداد والأشراك التي تشركونها معه في عبادتكم إياهم ، وإقراركم بربوبيتهم ، وأنتم تعلمون أنه لا رب غيره ، ولا إله سواه ، فإن أسلموا يقول : فإن انقادوا لإفراد الوحدانية لله ، وإخلاص العبادة والألوهة له ، فقد اهتدوا ، يعني : فقد أصابوا سبيل الحق ، وسلكوا محجة الرشد . فإن قال قائل :
وكيف قيل : فإن أسلموا فقد اهتدوا عقيب الاستفهام ، وهل يجوز على هذا في الكلام أن يقال لرجل : هل تقوم ؟
فإن تقم أكرمك ؟ . قيل : ذلك جائز إذا كان الكلام مرادا به الأمر ، وإن خرج مخرج الاستفهام ، كما قال جل ثناؤه :
وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
يعني انتهوا ، وكما قال جل ثناؤه مخبرا عن الحواريين أنهم قالوا لعيسى :
يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ
وإنما هو مسألة ، كما يقول الرجل : هل أنت كاف عنا ؟ بمعنى : اكفف عنا ، وكما يقول الرجل للرجل : أين أين ؟ بمعنى ؟ أقم فلا تبرح ، ولذلك جوزي في الاستفهام كما جوزي في الأمر في قراءة عبد الله : "
هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
آمنوا
تُؤْمِنُونَ
" ففسرها بالأمر ، وهي في قراءتنا على الخبر ؛ فالمجازاة في قراءتنا على قوله :
هَلْ أَدُلُّكُمْ
وفي قراءة عبد الله على قوله : " آمنوا " على الأمر ، لأنه هو التفسير . وبنحو معنى ما قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير :
وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ
الذين لا كتاب لهم :
أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا
الآية . حدثنا القاسم ، قال ثنا الحسين ، قال ثني حجاج ،