تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
في تدبيره ، فلا يدخله خلل . وإما عنى جل ثناؤه بهذه الآية نفي ما أضافت النصارى الذين حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى من البنوة ، وما نسب إليه سائر أهل الشرك من أن له شريكا ، واتخاذهم دونه أربابا . فأخبرهم الله عن نفسه أنه الخالق كل ما سواه ، وأنه رب كل ما اتخذه كل كافر وكل مشرك ربا دونه ، وأن ذلك مما يشهد به هو وملائكته وأهل العلم به من خلقه . فبد أجل ثناؤه بنفسه تعظيما لنفسه ، وتنزيها لها عما نسب الذين ذكرنا أمرهم من أهل الشرك به ما نسبوا إليها ، كما سن لعباده أن يبدءوا في أمورهم بذكره قبل ذكر غيره ، مؤدبا خلقه بذلك . والمراد من الكلام : الخبر عن شهادة من ارتضاهم من خلقه فقدموه من ملائكته وعلماء عباده ، فأعلمهم أن ملائكته التي يعظمها العابدون غيره من أهل الشرك ويعبدها الكثير منهم وأهل العلم منهم منكرون ما هم عليه مقيمون من كفرهم ، وقولهم في عيسى وقول من اتخذ ربا غيره من سائر الخلق ، فقال شهدت الملائكة وأولو العلم أنه لا إله إلا هو ، وأن كل من اتخذ ربا دون الله فهو كاذب ؛ احتجاجا منه لنبيه عليه الصلاة والسلام على الذين حاجوه من وفد نجران في عيسى ، واعترض بذكر الله وصفته على ما نبينه ، كما قال جل ثناؤه :
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ
افتتاحا باسمه الكلام ، فكذلك افتتح باسمه والثناء على نفسه الشهادة بما وصفنا من نفي الألوهة من غيره وتكذيب أهل الشرك به . فأما ما قال الذي وصفنا قوله من أنه عنى بقوله شهد : قضى ، فمما لا يعرف في لغة العرب ولا العجم ، لأن الشهادة معنى ، والقضاء غيرها . وبنحو الذي قلنا في ذلك روي عن بعض المتقدمين القول في ذلك . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ
بخلاف ما قالوا ، يعني : بخلاف ما قال وفد نجران من النصارى ،
قائِماً بِالْقِسْطِ
أي بالعدل . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
بِالْقِسْطِ
بالعدل . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
ومعنى الدين في هذا الموضع : الطاعة والذلة ، من قول الشاعر :
ويوم الحزن إذ حشدت معد * وكان الناس إلا نحن دينا
يعني بذلك : مطيعين على وجه الذل ؛ ومنه قول القطامي : كانت نوار تدينك الأديانا يعني تذلك . وقول الأعشى ميمون بن قيس :
هو دان الرباب إذ كرهوا الد * يىن دراكا بغزوة وصيال
يعني بقوله " دان " : ذلل ، وبقوله " كرهوا الدين " : الطاعة . وكذلك الإسلام ، وهو الانقياد بالتذلل والخشوع والفعل منه أسلم ، بمعنى : دخل في السلم ، كما يقال أقحط القوم : إذا دخلوا في القحط ، وأربعوا : إذا دخلوا في الربيع ، فكذلك أسلموا : إذا دخلوا في السلم ، وهو الانقياد بالخضوع وترك الممانعة . فإذا كان ذلك كذلك ، فتأويل قوله :
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
إن الطاعة التي هي الطاعة عنده الطاعة له ، وإقرار الألسن والقلوب له بالعبودية والذلة ، وانقيادها له بالطاعة فيما أمر ونهى ، وتذللها له بذلك من غير استكبار عليه ولا انحراف عنه دون إشراك غيره من خلقه معه في العبودية والألوهية . وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله :
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ