الْأَنْهارُ
وقالوا : تأويل الكلام : قل أأنبئكم بخير من ذلكم ؟ للذين اتقوا عند ربهم ، ثم كأنه قيل : ماذا لهم ، أو ما ذاك ؟ أو على أنه يقال : ماذا لهم أو ما ذاك ؟ فقال : هو جنات تجري من تحتها الأنهار الآية . وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من جعل الاستفهام متناهيا عند قوله :
بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ
والخبر بعده مبتدأ عمن له الجنات بقوله :
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ
فيكون مخرج ذلك مخرج الخبر ، وهو إبانة عن معنى الخير الذي قال : أنبئكم به ؟ فلا يكون بالكلام حينئذ حاجة إلى ضمير . قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري : وأما قوله :
خالِدِينَ فِيها
فمنصوب على القطع ؛ ومعنى قوله :
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا
للذين خافوا الله فأطاعوه ، بأداء فرائضه ، واجتناب معاصيه .
عِنْدَ رَبِّهِمْ
يعني بذلك : لهم جنات تجري من تحتها الأنهار عند ربهم ، والجنات : البساتين ، وقد بينا ذلك بالشواهد فيما مضى ، وأن قوله :
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
يعني به : من تحت الأشجار ، وأن الخلود فيها دوام البقاء فيها ، وأن الأزوج المطهرة : هن نساء الجنة اللواتي طهرن من كل أذى يكون بنساء أهل الدنيا من الحيض والمني والبول والنفاس وما أشبه ذلك من الأذى ، بما أغنى من إعادته في هذا الموضع .
وقوله :
وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ
يعني : ورضا الله ، وهو مصدر من قول القائل : رضي الله عن فلان ، فهو يرضى عنه رضا منقوص ، ورضوانا ورضوانا ومرضاة . فأما ال رضوان بضم الراء فهو لغة قيس ، وبه كان عاصم يقرأ .
وإنما ذكر الله جل ثناؤه فيما ذكر الذين اتقوا عنده من الخير . رضوانه ، لأن رضوانه أعلى منازل كرامة أهل الجنة . كما : حدثنا ابن بشار ، قال : ثتي أبو أحمد الزبيري ، قال : ثنا سفيان ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله ، قال : إذا دخل أهل الجنة الجنة ، قال الله تبارك وتعالى : أعطيكم أفضل من هذا فيقولون : أي ربنا أي شيء أفضل من هذا ؟ قال : رضواني . وقوله :
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ
يعني بذلك ، والله ذو بصر بالذي يتقيه من عباده ، فيخافه فيطيعه ، ويؤثر ما عنده مما ذكر أنه أعده للذين اتقوه على حب ما زين له في عاجل الدنيا من شهوات النساء والبنين وسائر ما عدد منها تعالى ذكره ، وبالذي لا يتقيه فيخافه ، ولكنه يعصيه ، ويطيع الشيطان ، ويؤثر ما زين له في الدنيا من حب شهوة النساء والبنين والأموال ، على ما عنده من النعيم المقيم ، عالم تعالى ذكره بكل فريق منهم ، حتى يجازي كلهم عند معادهم إليه جزاءهم ، المحسن بإحسانه ، والمسئ بإساءته . القول في تأويل قوله تعالى :
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ
ومعنى ذلك : قل هل أنبئكم بخير من ذلكم ؟ للذين اتقوا يقولون ربنا آمنا إننا ، فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار . وقد يحتمل " الذين يقولون " وجهين من الإعراب . الخفض على الرد على " الذين " الأولى ، والرفع على الابتداء ، إذ كان في مبتدأ آية أخرى غير التي فيها " الذين " للأولى ، فيكون رفعها نظير قول الله عز وجل :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ
ثم قال في مبتدإ الآية التي بعدها
التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ
ولو كان جاء ذلك مخفوضا كان جائزا . ومعنى قوله :
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا
الذين يقولون : إننا صدقنا بك وبنبيك ، وما جاء به من عندك ؛
فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا
يقول : فاستر علينا بعفوك عنها وتركك عقوبتنا عليها ؛
وَقِنا عَذابَ النَّارِ
ادفع عنا عذابك إيانا بالنار أن تعذبنا بها . وإنما معنى ذلك : لا تعذبنا يا ربنا بالنار . وإنما خصوا المسألة بأن يقيهم عذاب النار ، لأن من زحزح يومئذ عن النار فقد فاز بالنجاة من عذاب الله وحسن مآبه . وأصل قوله " قنا " : من قول القائل : وقى الله فلانا كذا ، يراد به : دفع عنه فهو يقيه ، فإذا سأل بذلك سائل قال : قني كذا . القول في تأويل قوله تعالى :
الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ
يعني بقوله :
الصَّابِرِينَ
الذين صبروا في البأساء والضراء وحين البأس . ويعني بالصادقين : الذين صدقوا الله في قولهم