بتحقيقهم الإقرار به وبرسوله ، وما جاء به من عنده بالعمل بما أمره به والانتهاء عما نهاه عنه . ويعني بالقانتين : المطيعين له . وقد أتينا على الإبانة عن كل هذه الحروف ومعانيها بالشواهد على صحة ما قلنا فيها ، وبالإخبار عمن قال فيها قولا فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ، وقد كان قتادة يقول في ذلك بما : حدثنا به بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله :
الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ
الصادقين : قوم صدقت أفواههم ، واستقامت قلوبهم وألسنتهم ، وصدقوا في السر والعلانية .
والصابرين : قوم صبروا على طاعة الله ، وصبروا عن محارمه . والقانتون : هم المطيعون لله . وإما المنفقون : فهم المؤتون زكوات أموالهم ، وواضعوها على ما أمرهم الله بإتيانها ، والمنفقون أموالهم في الوجوه التي أذن الله لهم جل ثناؤه بإنفاقها فيها . وأما الصابرين والصادقين وسائر هذه الحروف فمخفوض ردا على قوله :
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا
والخفض في هذه الحروف يدل على أن قوله :
الَّذِينَ يَقُولُونَ
خفض ردا على قوله :
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ
. القول في تأويل قوله تعالى :
وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ
اختلف أهل التأويل في القوم الذين هذه الصفة صفتهم ، فقال بعضهم : هم المصلون بالأسحار . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ
هم أهل الصلاة . حدثني المثنى ، قال :
ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن قتادة :
وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ
قال : يصلون بالأسحار .
وقال آخرون : هم المستغفرون . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع قال : ثنا أبي ، عن حريث بن أبي مطر ، عن إبراهيم بن حاطب ، عن أبيه حاطب ، قال : سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول : رب أمرتني فأطعتك ، وهذا سحر فاغفر لي فنظرت فإذا ابن مسعود . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال :
ثنا الوليد بن مسلم ، قال : سألت عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن قول الله عز وجل :
وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ
قال : حدثني سليمان بن موسى ، قال : ثنا نافع : أن ابن عمر كان يحيي الليل صلاة ، ثم يقول : يا نافع أسحرنا ؟
فيقول : لا . فيعاود الصلاة ، فإذا قلت : نعم ، قعد يستغفر ويدعو حتى يصبح . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن بعض البصريين ، عن أنس بن مالك قال : أمرنا أن نستغفر بالأسحار سبعين استغفارة . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا زيد بن الحباب ، قال : ثنا أبو يعقوب الضبي ، قال : سمعت جعفر بن محمد يقول : من صلى من الليل ثم استغفر في آخر الليل سبعين مرة كتب من المستغفرين بالأسحار .
وقال آخرون : هم الذين يشهدون الصبح في جماعة . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسماعيل بن مسلمة أخو القعنبي قال : ثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، قال : قلت لزيد بن أسلم من المستغفرين بالأسحار ؟ قال : هم الذين يشهدون الصبح حاطب . وأولى هذه الأقوال بتأويل قوله :
وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ
قول من قال : هم السائلون ربهم أن يستر عليهم فضيحتهم بها بالأسحار ، وهي جمع سحر .
وأظهر معاني ذلك أن تكون مسألتهم إياه بالدعاء ، وقد يحتمل أن يكون معناه : تعرضهم لمغفرته بالعمل والصلاة ، غير أن أظهر معانيه ما ذكرنا من الدعاء . القول في تأويل قوله تعالى :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
يعني بذلك جل ثناؤه : شهد الله أنه لا إله إلا هو ، وشهدت الملائكة ، وأولو العلم . فالملائكة معطوف بهم على أسم الله ، و " أنه " مفتوحة بشهد . وكان