في كتابه من الضأن والمعز والبقر والإبل . وأما الحرث : فهو الزرع . وتأويل الكلام : زين للناس حب الشهوات من النساء ومن البنين ، ومن كذا ومن كذا ، ومن الأنعام والحرث . القول في تأويل قوله تعالى :
ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا
يعني بقوله جل ثناؤه : ذلك جميع ما ذكر في هذه الآية من النساء والبنين ، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ، والخيل المسومة ، والأنعام والحرث ، فكنى بقوله " ذلك " عن جمعهن ، وهذا يدل على أن " ذلك " يشتمل على الأشياء الكثيرة المختلفة المعاني ، ويكنى به عن جميع ذلك . وأما قوله :
مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا
فإنه خبر من الله عن أن ذلك كله مما يستمتع به في الدنيا أهلها أحياء ، فيتبلغون به فيها ، ويجعلونه وصلة في معايشهم ، وسببا لقضاء شهواتهم ، التي زين لهم حبها ، في عاجل دنياهم ، دون أن يكون عدة لمعادهم ، وقربة لهم إلى ربهم ، إلا ما أسلك في سبيله ، وأنفق منه فيما أمر به . وأما قوله :
وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ
فإنه يعني بذلك جل ثناؤه : وعند الله حسن المآب ، يعني حسن المرجع . كما : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ
يقول : حسن المنقلب ، وهي الجنة . وهو مصدر على مثال مفعل ، من قول القائل : آب الرجل إلينا : إذا رجع ، فهو يؤوب إيابا وأوبة وأيبة ومآبا ، غير أن موضع الفاء منها مهموز ، والعين مبدلة من الواو إلى الألف بحركتها إلى الفتح ، فلما كان حظها الحركة إلى الفتح ، وكانت حركتها منقولة إلى الحرف الذي قبلها وهو فاء الفعل انقلبت فصارت ألفا ، كما قيل :
قال : فصارت عين الفعل ألفا ، لأن حظها الفتح والمآب ، مثل المقال والمعاد والمحال ، كل ذلك مفعل ، منقولة حركة عينه إلى فائه ، فتصير واوه أو ياؤه ألفا لفتحة ما قبلها . فإن قال قائل : وكيف قيل :
وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ
وقد علمت ما عنده يومئذ من أليم العذاب وشديد العقاب ؟ قيل : إن ذلك معني به خاص من الناس ، ومعنى ذلك : والله عنده حسن المآب للذين اتقوا ربهم ، وقد أنبأنا عن ذلك في هذه الآية التي تليها . فإن قال :
وما حسن المآب ؟ قيل : هو ما وصفه به جل ثناؤه ، وهو المرجع إلى جنات تجري من تحتها الأنهار مخلدا فيها ، وإلى أزواج مطهرة ورضوان من الله . القول في تأويل قوله تعالى :
قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ
يعني جل ثناؤه : قل يا محمد للناس الذين زين لهم حب الشهوات ، من النساء والبنين ، وسائر ما ذكر جل ثناؤه :
أَ أُنَبِّئُكُمْ
أأخبركم وأعلمكم
بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ
يعني بخير وأفضل لكم .
مِنْ ذلِكُمْ
يعني مما زين لكم في الدنيا حب شهوته من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ، وأنواع الأموال التي هي متاع الدنيا .
ثم اختلف أهل العربية في الموضع الذي تناهى إليه الاستفهام من هذا الكلام ، فقال بعضهم : تناهى ذلك عند قوله :
مِنْ ذلِكُمْ
ثم ابتدأ الخبر عما
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ
فقيل : للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، فلذلك رفع " الجنات " . ومن قال هذا القول ، لم يجز في قوله :
جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
إلا الرفع ، وذلك أنه خبر مبتدإ غير مردود على قوله بخير ، فيكون الخفض فيه جائزا . وهو وإن كان خبرا مبتدأ عندهم ، ففيه إبانة عن معنى الخير الذي أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس أؤنبئكم به ؟ والجنات على هذا القول مرفوعة باللام التي في قوله :
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ
. وقال آخرون منهم بنحو من هذا القول ، إلا أنهم قالوا : إن جعلت اللام التي في قوله " للذين " من صلة الإنباء جاز في الجنات الخفض والرفع : الخفض على الرد على " الخير " ، والرفع على أن يكون قوله :
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا
خبر مبتدإ على ما قد بيناه قبل . وقال آخرون : بل منتهى الاستفهام قوله :
عِنْدَ رَبِّهِمْ
ثم ابتدأ :
جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا