الضابطة الثالثة : في انحصار العبادة له تعالى
بعد ما ثبت التوحيد الذاتي والفاعلي فقد ظهر أنّه لا مستحق للعبادة إلا الله الواحد القهار ، وبيان ذلك يتمّ في ضمن فوائد :
الفائدة الأولى : العبادة بمعنى الخضوع والتذلّل والطاعة ، ويراد منها في عرف المتشرعة هذا المعنى بعينه ، لكن بنحو التألّه . فالعبادة هي الخضوع محفوفاً ببناء القلب بجعله شعاراً وتديناً .
وحاصل مقصودنا في هذا المقام : أنّه لا يستحق أحد أن يتألّه له إلا الواجب الخالق
قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ
« 1 »
.
نعم ، مطلق الخضوع وإن لم يكن عن تألّه لا يخص الله سبحانه ، لعدم دليل عليه من العقل والشرع ، بل يجوز لغير الله تعالى أيضاً ، كما تقتضيه الفطرة الإنسانية في أخلاقه الاجتماعية ونظمه المدنية ، بحيث لو لاه لاختلّت السلاسل الأدبية ، فكيف يأمر الله تعالى بإهماله وهو مدبّر النظام ؟ ! بل هو سبحانه أكّد هذه السيرة العقلائية بقوله مخاطباً لنبيه :
وَاخْفِضْ جَناحَكَ ، لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
« 2 » . لكنه إذا لم يستلزم الخضوع للغير وطاعته نقصاً في الغاية الخلقية ، وإلا يحرم بتاتاً ؛ لأنّ الغاية المذكورة فوق الغايات وغاية النهايات . قال الله سبحانه :
وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً
« 3 »
.
حتى وإن كان هذا الغير رباً صغيراً كالأبوين
وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما
« 4 »
.
ومن هذا القبيل : السجود لغير الله تعالى ولو على غير نحو التألّه ، لقوله تعالى :
لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي
هامش
( 1 ) - الرعد / 36 .
( 2 ) - الشعراء 26 / 215 .
( 3 ) - الإنسان 76 / 24 .
( 4 ) - لقمان 31 / 15 .