خوفاً وطمعاً « 1 » ، وقوله : ويدعوننا رغباً ورهباً « 2 » ، وقوله تعالى : تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً « 3 » . ويدل على صحة المأتيّ به بالداعي الرابع قوله : لئن شكرتم لأزيدنكم « 4 » كما قيل .
هذا ، وقال بعض المفسرين « 5 » بعد ما نقل اتفاق المتكلمين على أن من عبد ودعا لأجل الخوف من العقاب والطمع في الثواب لم تصح عبادته : والتوفيق بين الآية والقول : أنّ المراد من قوله :
وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً
« 6 » الخوف من وقوع التقصير في الشرائط المعتبرة في الامتثال الذي وقع ، والطمع في حصول الشرائط وقبولها بكرمه وفضله ، فحصل التوفيق ، ويؤيد هذا المعنى نحو قوله تعالى :
يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ
« 7 »
.
أقول : ما ذكره خلاف الظاهر ، والقول المذكور غير ظاهر ، ضرورة صحة عبادة المسلمين شرعاً ، مع أنّهم لا يؤتونها إلا لخوف العقاب - كما هو الأكثر - أو لطمع الثواب قطعاً « 8 » . ولا يمكن لأحد أن يلتزم ببطلان أعمالهم شرعاً ، فالصحيح أنّ هذه الدواعي الخمسة كلها علل للخضوع للخالق والمخلوق ، وإن كان بعضها أفضل من بعض .
ففي صحيحة هارون بن خارجة : « العبادة ثلاث ( العباد ثلاث نسخة ) : قوم عبدوا الله عزو جل خوفاً فتلك عبادة العبيد ، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب فتلك عبادة الأجراء وقوم عبدوا الله حباً له فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة » « 9 » .
الفائدة الثالثة : العبادة بنحو التألّه مختصة بالله سبحانه ، فإنّه الواجب الخالق ، ولا تجوز لغيره ؛ لما صرح به القرآن المجيد في جملة من آياته . وأمّا الخضوع لا بهذا العنوان فهو وإن كان جائزاً لغيره ، بل ربما يكون لازماً عقلًا أو شرعاً ، غير أنّ المستحق له واقعاً أيضاً هو الله تعالى فقط ؛ لأنّ غيره ممكن ، وكل ممكن محتاج في قوام وجوده وصدور أفعاله إليه حدوثاً وبقاءً ،
هامش
( 1 ) - الأعراف 7 / 56 .
( 2 ) - الأنبياء 21 / 90 .
( 3 ) - السجدة 32 / 16 .
( 4 ) - إبراهيم 14 / 7 .
( 5 ) - مقتنيات الدرر 3 / 343 .
( 6 ) - الأعراف 7 / 56 .
( 7 ) - المؤمنون 23 / 62 .
( 8 ) إلا أن يقال : إنّ الخوف أو الطمع يكون داعياً لهم لإتيان العبادة بقصد الأمر .
( 9 ) أصول الكافي 2 / 84 .