يصح أنّ يؤلّم أحداً لينفعه أو يدفع عنه ضرراً .
فإن قلت : فما تقول في إيلامه تعالى لذلك ، فإنه غير مسبوق بإذن المتألّمين .
قلت : قد أجيب عنه : بأنّ اعتبار الرضا إنّما يكون في النفع الذي يتفاوت فيه اختيار المتألّمين ، وأمّا النفع البالغ إلى حدّ لا يجوز فيه اختلاف الاختيار فإنه يحسن الإيلام ، وإن لم يحصل الرضا فعلًا والعوض المستحق عليه من الله تعالى كذلك .
هذا تمام الكلام في مبحث الآلام حسب ما يقتضيه الحسن والقبح العقلييان المعوّل عليهما عند العقلاء في النظام الاجتماعي ، الممضييان للشارع المقدّس ، ونختم البحث بذكر بعض الآيات والروايات تتميماً للفائدة وتيّمناً للرسالة .
أمّا الكتاب فإليك بعض آياته الكريمة :
1 -
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
« 1 » .
2 -
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
. « 2 »
الآيتان تدلّان على أنّ الألم يصدر عنه لأجل الاستحقاق والانتقام ، وقوله تعالى :
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
« 3 » علّة استعجال العذاب في الدنيا .
3 -
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
« 4 » .
ولعلّ وصول الفتنة المذكورة إلى غير الظالمين من باب جريان العادة « 5 » .
4 -
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ
« 6 » .
يمكن أن يكون الامتحان سبباً مستقلًّا لحسن الإيلام وإن لم يذكره المتكلمون .
5 -
فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
« 7 » .
هامش
( 1 ) - الشورى 42 / 30 .
( 2 ) - الروم 30 / 41 .
( 3 ) - الروم 30 / 41 .
( 4 ) - الأنفال 8 / 28 .
( 5 ) - أي تحكيما لقانون العلّية ، الذي لا يستثنى منه شيء كما إذا ألقى أحد قاذورات بيته وكثافات متجرّه في معبر الناس فتسطح يحراشيها أبدان الغايرين ، فلا شك أنّهم يبتلون بالأمراض المناسبة لتلك الجراثيم من دون تقصير منهم وقصد : لأجل القانون النافذ المشار إليه .
( 6 ) - الأنبياء 21 / 35 .
( 7 ) - الروم 30 / 46 .