ذمّه جميع الناس ، نعم ، لا شك في أنّه شرط لصحة العبادات ودخول الجنة ، والتقرب إلى الحق ، كما هو ثابت بالضرورة الدينية ، ولكن تخيّل بعض كتّاب العصر « 1 » : أنّ الإسلام ليس شرطاً لدخول الجنة وقبول العمل ، بل يكفيه مجرد الإيمان بالله تعالى ، وكأنّه لا يرى للنبوة مدخلية في صحة التدين والسعادة الأخروية .
كما أنّ العامة لا ترى للإمامة دخلًا في أصول الدين ، واستدل هذا القائل على ما تأدّى إليه نظره أو أدّاه إليه غرضه بجملة من الآيات القرآنية التي هي بين ما يدل على بطلانه ، وبين ما لا يرتبط بمرامه .
وأحسن دلالة على مرامه ممّا ذكره قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
« 2 » ، وقوله تعالى :
مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ
.
أقول : لكن لا أدري أنّ الذي حمله على هذا القول هو جهله ، أو تجاهله ؟ فحيث أنظر إلى استدلاله على مزعومه بقوله تعالى :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ
أظنّ أنه جاهل ؛ إذ الملتفت لا يستدل بما هو نصّ على بطلان قوله ، وحين أنظر إلى مخالفة دعواه لضرورة الدين الإسلامي وأنّها محكومة بالبطلان عند نساء المسلمين وصبيانهم المميّزين ، أظنّ أنّه متعمّد ، فهو وإن ادّعى أنه مسلم مؤمن لكنّ كلماته تشهد على شيء آخر ، والله أعلم » .
وعلى الجملة : هذه النظرية نظرية إلحادية مكذّبه للقرآن الكريم ، بل لجميع الشرائع ، ولا أظنّ أن يقبلها أحد من الملّيين ؛ إذ كلّ متديّن يرى أحقية دينه وبطلان ما يخالفه ، وأمّا الدليل على بطلانه من القرآن فهو كثير ، نذكر بعضها :
1 - قال الله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
« 3 » .
فلو كان أهل الكتاب على حقّ لمّا نهى الله عن تولّيهم .
2 - وقال : فإن آمنوا ( أي أهل الكتاب اليهود والنصارى ) بمثل ما آمنتم فقد اهتدوا
هامش
( 1 ) - لاحظ كتابه المسمّى « بسوي أو » .
( 2 ) - البقرة 2 / 62 .
( 3 ) - المائدة 5 / 51 .