تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
من المكلّف المأمور ، وكل ما يتوقف عليه الغرض فهو واجب ، فينتج أنّ اللطف واجب على المكلّف الأمر . أمّا الصغرى فلأن الغرض من التكليف هو امتثال أوامر الله والانتهاء عن نواهيه ، وهما موقوفان على كل ما يقرّب العبد إليهما ويبعده عن تركهما . وأمّا الكبرى فلأنّ المريد من غيره فعلًا من الأفعال إذا علم أنّ ذلك الغير لا يفعل الفعل المراد إلا بنوع ملاطفة وتأدّب من المريد معه ، ولم يفعل التأدّب المذكور لذمّه العقلاء ؛ لأنّه ناقض لغرضه . مثلًا : من دعا غيره إلى طعام وهو يعلم أنّ المدعوّ لا يجيبه إلّا أن يستعمل معه نوعاً من التلطف والتأدب ، فإذا لم يفعله الداعي كان ناقضاً لغرضه ، وهكذا الشارع الأقدس فإذا علم أنّ المكلف لا يطيع إلا بلطف لا بد له أن يفعله ، وإلا فلو كلّفه بدونه لكان ناقضاً لهدفه وهادماً لمطلوبه ، وهو قبيح بلا ريب . وإن شئت فقل : ترك اللطف نقض للغرض ، ونقض الغرض قبيح ، فترك اللطف قبيح . ثم قل : لو كان ترك اللطف قبحياً لكان فعله واجباً بلا شك ، لكنّ تركه قبيح ، فينتج أنّ فعله واجب . هذا ، ولكنّ هذا الدليل عندي غير قابل للاعتماد في إثبات مثل هذه المسألة العظيمة ، فإنّه مزيّف بوجهين : الأول : أنّه لو تم لتمّ في خصوص من يعلم الله امتثاله للتكليف المتوجه إليه بعد فعل اللطف ، وأمّا في حق من يمتثل التكليف ويطيع الله ولو من غير اللطف المذكور ، أو في حق من لا يمتثل أمره ونهيه تعالى وإن فعل من ألطاف كما قال الله تعالى في حقهم :
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا
، فلا يتم أصلًا ووجهه أيضاً ظاهر غير مستور . الثاني : أنّ الغرض من التكليف هو استكمال نفوس المكلفين وانتظام أمور معاشهم ومعادهم ، وهذا الاستكمال لا يحصل إلّا بكون المكلف مختاراً غير مجبور على أحد طرفي المأمور به ، فالذي تحتاج إليه حجية التكليف وبه يحصل غرض المولى هو تمكين المكلّف - بالكسر - وإعلامه المكلّف - بالفتح - ليتمكن من الامتثال ، ولا يعتبر أزيد من ذلك شيء أصلًا ، فلو لم يفعل المكلف لطفاً بالمأمور وترك الامتثال كان عاصياً مستحقاً للعقاب ، ولم يمكن الأمر ناقضاً لغرضه وهادماً لهدفه ، فإنّ غرضه لم يتعلّق بفعل الطاعة عن المكلّف كيفما اتفق ، وإلا لوقع الفعل جبراً وبلا إرادة المأمور ، بل الغرض هو إتيان المأمور ما أمر به من اختياره ، وهذا النحو من الغرض لا يتوقف على فعل اللطف المذكور لحصوله بمحض تمكن العبد ، فالمقدمة