أقول : امّا انّ الحاكم في صدق الاحياء والتعمير الواردين في الأحاديث المعتبرة المتقدّمة في مقدّمة الكتاب الدالّة على سببيتهما للتملّك ، هو العرف فلأنّه لا حقيقة شرعية للفظي الاحياء والتعمير ، بل ولم تحدّدهما اللغة أيضا ، فهما كغيرهما من المفاهيم تابعان للصدق العرفي ، وقيل : انّه خلاف فيه ، وينبغي أن يكون كذلك .
وامّا صحّة التعريف المذكور في المتن ففي مثل زماننا في بعض البلاد الراقية لا تخلو عن خفاء فالأنسب أن يضاف إليه قيد الزمان والمكان ، ففي مثل المفاوز والبراري يصحّ التعريف المذكور حتّى في عصرنا ، وامّا في قرب البلاد الكبيرة الراقية ففي صدق الاحياء عليه تردّد . وتطوّر الزمان وتبدّل الحالات وإن لم يدخلا تغييرا في المفاهيم لكنّهما تغيران مصاديقها فتختلف انطباقها عليها سعة وضيقا .
إذا تقرّر ذلك ، فلا بدّ من ذكر أمرين هما بمنزلة أصلين في كيفية الاحياء وفهم حقيقته :
( الأوّل ) : من شرع في أرض ميتة ببنائها دارا فأحاط عليها وجعل لها بابا ، ثم أهملها ، فهل مثله احياء أو تحجير ؟
يمكن اختيار الشقّ الثاني لعدم صدق الدار عليها ، والإحاطة كانت شروعا في الاحياء ولكنّها ليست بتمامه وكماله . ويمكن اختيار الشقّ الأول فانّها تصلح حظيرة للحيوانات ومخزنا للأموال والسيارات ونحو ذلك ، وكذا لو قصد بناء حظيرة أو كراج للسيارات فبناها بجص وزيّن جدرانها وجعل عليها بيوتا ، فهل الباني يملكها وإن كان مثل هذا البناء لا يليق بالحيوانات أو السيارات ، بل
الأرض في الفقه — صفحة 93
مساهمون: الشيخ محمد آصف المحسني
ص٩٣