في محلّ وإن لم يضلّ المكلّف فعلا ؛ فإنّ اللّه أمر بوقاية النفس والأهلين .
نعم ، لا تجب المهاجرة عند التمكّن من العمل بدينه ، ولا إطلاق للآيتين الأخيرتين من هذه الجهة ؛ فإنّهما ناظرتان إلى من أمن بمكّة في صدر الإسلام ، ومن الظاهر عدم تمكّنهم منه ، على أنّه يمكن القول بوجوب المهاجرة عليهم على الإطلاق ، لمصلحة في خصوص الواقعة المذكورة ، فلاحظ .
وكذا لا تجب المهاجرة على المؤمن من بلد المخالفين إذا تمكّن من العمل بمذهبه ولو تقيّة ؛ للسيرة القطعيّة . وأمّا إذا لم يتمكّن أصلا ، كأداء الخمس ولو بالإرسال ، ففي جواز الإقامة إشكال ، بل لا يبعد وجوب المهاجرة ، بل هو الأقوى إذا خاف على أولاده الانحراف والعدول عن مذهب الحقّ بعد صغرهم أو بعد موته على ما مرّ .
قال المحقّق في جهاد شرائعه : « وتجب المهاجرة عن بلد الشرك على من يضعف عن إظهار شعار الإسلام مع المكنة » .
وقال الشارح في جواهره :
من الأذان والصلاة والصوم وغيرها ، سمّي ذلك شعارا ؛ لأنّه علامة عليه ، أو من الشعار الذي هو الثوب الملاصق للبدن فاستعير للأحكام اللاحقة للدين بلا خلاف أجده فيه بين من تعرّض له . . . . نعم ، إنّما تجب ( مع المكنة ) لا مع عدمها بلا خلاف أجده أيضا . . . .
- وقال في آخر كلامه : - ثمّ إنّ الظاهر كون المراد بالتمكّن من إظهار شعار الإسلام الذي يسقط معه وجوب الهجرة هو عدم المعارضة والأذيّة من العمل على ما يقتضيه دينه في واجب أو ندب ، فلو تمكّن من بعض دون بعض وجب خصوصا إذا كان المتروك مثل الصوم والصلاة والحجّ ونحوها ممّا هو أعظم الشعائر ، بل الظاهر إرادة التجاهر بما يقتضيه الإسلام ، فلا يكفي في عدم وجوبها الإتيان بها مختفيا ، كما أنّه لا يكفي الإتيان بها على مقتضى مذهبهم تقيّة ؛ فإنّ التقيّة الدينيّة غير مشروعة في مذهبنا من غير أهل الخلاف من المسلمين « 1 » ، انتهى .
أقول : لا يبعد حصر وجوب المهاجرة بصورة عدم التمكّن من امتثال الأحكام
هامش
( 1 ) . راجع : جواهر الكلام ، ( كتاب الجهاد ، الطبعة القديمة ) ، ص 555 .