« وإن وجد الأب من يرضعه بأربعة دراهم وقالت الأمّ : لا أرضعه إلّا بخمسة دراهم ، فإنّ له أن ينزعه منها إلّا أنّ ذلك خير له وأرفق به أن يترك مع أمّه » « 1 » فإنّه يدلّ أو يشعر بأنّ للأمّ مطالبة زيادة الأجرة وإن انجرّت إلى نزع ولدها منها .
لكن رفع اليد عن ظهور الآية الكريمة المتقدّمة بهذا المقدار لا يخلو عن شيء ، فتامّل ، ويمكن أن يستدلّ على الوجوب أيضا بقوله تعالى :
فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما
فإنّ مفهوم الشرط فيه عدم جواز الفطام عند اختلاف الوالدين وعدم تراض منهما . قال صاحب مجمع البيان : « فإن تنازعا رجعا إلى الحولين » .
وقد يقال : إنّ الفصال في صورة عدم التراضي والتشاور مكروه لا أنّه محرّم وإلّا لم يعلّق على التراضي والتشاور ، هذا إذا كان المراد من الفصال هو فصل الأمّ ولده عن رضاعها ، كما هو غير بعيد بملاحظة السياق . وأمّا إذا أخذناه بإطلاقه ، فيصير أجنبيّا عن محلّ البحث وهو تكليف الأمّ في إرضاعها ، وداخلا في البحث الآتي .
ثمّ إنّه لو سلّم دلالة الآية الأولى على وجوب الإرضاع ، نخصّصه بصورة عدم تراضي الوالدين ، ونقول بعدم وجوبه في صورة التراضي حتّى الشهر الأوّل من الولادة على وجه ، أو بعد أحد وعشرين شهرا على وجه آخر غير قويّ ؛ لأجل الآية الأخيرة .
وممّا يدلّ على عدم وجوب الإرضاع عليها إطلاق قوله تعالى :
وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ . . .
ضرورة عدم ملائمة وجوب الإرضاع على الأمّ مع جواز اتّخاذ مرضعة أخرى للأب « 2 » .
ويمكن أن يقال بوجوب إرضاع الأولاد عليها إذا أراد الزوج إتمام الرضاعة ، وإذا اتّفق معها في الفطام - بعد أحد وعشرين شهرا أو مطلقا - أو اتّخذ مرضعة أخرى ، فله ذلك ، وهذا ممّا يمكن استنباطه من مجموع الآيات ، فتأمّل المقام .
ثمّ الرضاع بمعنى امتصاص الثدي لشرب اللبن ، كما يظهر من بعض كتب اللغة ،
هامش
( 1 ) . وسائل الشيعة ، ج 15 ، ص 190 و 191 . ولا يحضرني عاجلا ما يدلّ على شمول الحكم للزوجة الوالدة غير إطلاق هذه الرواية مع احتمال نظارتها إلى المطلّقة كغيرها .
( 2 ) . في الآية احتمالات لا بدّ من مراجعة التفاسير ثمّ اختيار ما هو الظاهر منها .