الناس رهناء أحاسيسهم وعواطفهم ، وبعيدون عن أحكام عقولهم ، والذي له النزع والجذب ، ويقوى على جرّ عوامّ الناس إلى المعارف الدينيّة وإقناعهم بحقّيّة الّدين هو أخلاق الداعين الحسنة الفاضلة ، ومطابقة عملهم لقولهم وهدفهم وصدقهم وحسن نيّتهم في حقّ النّاس .
وبالجملة ، الأخلاق الفاضلة والمعاشرة الحسنة ، هما السببان الرئيسيان في رجوع جماعات كثيرة من كفّار الهند والصين وغيرهما إلى الحقّ ، ورغبتهم إلى دين الإسلام واعتناقهم به في الأعصار الأوّليّة ؛ لما رأوا من حسن خلق الجالية المسلمة ، وحسن معاشرتهم مع فقدهم للمراتب العالية للعلم والاستدلال ، فيجب انتباه حملة العلم ، ورجال الدعوة في العصر الحاضر إلى هذه النكتة ، وعدم الاكتفاء - كلّ الاكتفاء - بالمؤلّفات والمنشورات ؛ فإنّ التجربة أثبت فشلها في تمام التأثير ، وكمال الإقناع .
بل الأمر كذلك في معجزات الرسل عليهم السّلام ؛ فإنّها بمفردها وإن توجب إتمام الحجّة وقطع المعذرة عقلا إلّا أنّها لا تجذب أحاسيسهم إلى الدين وإقناعهم به ، ولذا لم نفز في التأريخ على من أسلم بعد مشاهدة شقّ القمر ونحوه ، وأصدق شاهد على ذلك قول اللّه سبحانه وتعالى :
وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ .
فإنّه يدلّ على عدم كفاية معجزاته صلّى اللّه عليه واله لجذب القلوب مع سوء الخلق ، فيفهم منه أهمّيّة الأخلاق الحسنة في تأثير التبليغ ، وإصابة الدعوة ، ولأجله أمر اللّه رسوله عقيب الإخبار بانفضاضهم من حوله على فرض كونه فظّا غليظ القلب ، بقوله :
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ .
نعم ، ليس حسن الخلق بمعنى ترك الحقّ لرضى الخلق ، فلذا ختم اللّه الآية بقوله :
فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ .
« 1 »
وبالجملة أنّ موضوع دعوة الناس إلى الدين موضوع الارتباط بالقلوب غالبا ، وإنّما يرتبط بالعقول نادرا ، فليس الأثر كلّ الأثر للدليل ، بل للدين كما جاء في أوّل الآية
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 159 .