تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حدود الشريعة — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
( وإن كان المسلمون أقلّ من ذلك لم يجب الثبات ) ، كما صرّح به غير واحد ؛ للأصل بعد انتفاء شرط الوجوب المستفاد من الكتاب والسنّة والفتاوي المقتضي لانتفاء المشروط . نعم ، قد يشكل ذلك في نحو زيادة الواحد والاثنين مع الضعف والجبن في الكفّار ، والشجاعة والقوّة في المسلمين بإطلاق أدّلة الثبات بعد انسياق اعتبار كون العدوّ على الضعف ، فأقلّ إلى ما هو الغالب من غير الفرض ، وكذا الكلام في صورة العكس . . . ( ولو غلب على الظن السلامة استحبّ ) الثبات ، ( وإذا غلب العطب يجب الانصراف ) مع السلامة به ؛ لوجوب حفظ النفس وحرمة التغرير بها . ( وقيل : يستحبّ وهو الأشبه ، ولو انفرد اثنان بواحد من المسلمين لم يجب الثبات ) . أقول : والأصل في التفصيل المذكور قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ * الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ .
« 1 » فإن قلت : مدلول الآية هو الإخبار دون بيان الحكم الإلزاميّ المذكور في كلام الفقهاء ، قلت : يستفاد الحكم المذكور من قوله تعالى :
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ .
كما لا يخفى . ثمّ الظاهر اختصاص الحكم بما إذا لم يتفاوت الحال بين الفريقين المحاربين من غير جهة الكمّيّة كثيرا وإلّا لم يجر الحكم المذكور ، كما إذا كان لأحد الطرفين أسلحة أقوى من أسلحة الطرف الآخر ، كما في أعصارنا هذه . ثمّ المراد من عدم تفقّه الكافرين - إن كان عدم فهمهم بأمور الآخرة - تختصّ الآية بغير أهل الكتاب القائلين بالثواب والعقاب ، وإن كان عدم فهمهم بالأمور الحربيّة تصبح الآية على نحو القضيّة الخارجيّة دون الحقيقة ، فلا تشمل كفّار أعصارنا المحيطين برموز الحرب واستعمال الأسلحة ، ويؤيّد خارجيّة القضيّة اختلاف الحكم في زمن الرسول صلّى اللّه عليه واله في مدّة قليلة ، فكان الواجب على العشرين من المسلمين المقاومة
هامش
( 1 ) . الأنفال ( 8 ) : 65 - 66 .