ملتفتا ، يكون راضيا بعصيانه في كلّ آن ، فيعود تعدّد العقوبات المستحقّة على القول بالوجوب العقليّ أيضا .
فإنّه يقال : إنّ ترك التوبة لحاجة ، أو ضعف إرادة ، أو غيره ، لا يستلزم الرضا بالمعصية ، فكم من عاص لائم لنفسه غير تائب .
وكان بعض مشايخنا يلتزم بتعدّد العقوبات المستحقّة على تارك التوبة ، ولم يستبعده ، لكنّه ممّا لا يليق بالالتفات إليه .
ويمكن أن يدفع بأنّ الواجب شرعا هو أصل التوبة عن الذنب . وأمّا فوريّتها ، فلم يدلّ دليل على وجوبها الشرعيّ ، وإنّما الحاكم بها العقل ، فمن ترك التوبة رأسا يستحقّ عقابين : عقابا على أصل المعصية ، وعقابا على ترك توبتها . وأمّا من تاب منها ولو بعد مدّة فلا يستحقّ شيئا وإنّما ترك واجبا عقليّا ، فتأمّل .
الجهة الثانية : ظاهر جماعة وصريح آخرين أنّ حقيقة التوبة الندم ، ففي العروة الوثقى :
وحقيقتها الندم وهو من الأمور القلبيّة ، ولا يكفي مجرّد قوله : « أستغفر اللّه » ، بل لا حاجة إليه مع الندم القلبي وإن كان أحوط ، ويعتبر فيها العزم على ترك العود إليها ، انتهى كلامه .
فإن قلت : حقيقة التوبة لغة هو الرجوع ، وليس في الشرع ما يدلّ على إرادة معنى آخر منها ، وحيث إنّ الرجوع حقيقة إلى اللّه تعالى محال ، فلا بدّ من أن يراد الرجوع الادّعائي ، أو الرجوع الحقيقيّ إلى حكمه ودينه من أمره ونهيه ، كما أنّ توبة اللّه على العبد هي رجوعه تعالى عليه بالرحمة والمغفرة ، فالتوبة عبارة عن رجوع العاصي عن عصيانه إلى اللّه تعالى أو حكمه .
نعم ، الندم علّة لهذا الرجوع ، كما أنّ دفع الضرر في الأكثر أو الحياء من اللّه سبحانه في البعض علّة لهذا الندم ، فهو ليس داخلا في حقيقة التوبة ، كما قالوا ، بل سبب له .
قلت : المستفاد من الأدلّة أنّ التوبة هو الرجوع عن طبيعيّ المعصية ، اي جميع أفرادها الماضية والحالية والمستقبلة ، وهذا الرجوع يتحقّق في الأخيرين بالترك ،
و
حدود الشريعة — صفحة 124
مساهمون: الشيخ محمد آصف المحسني
ص١٢٤