تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حدود الشريعة — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
أقول : يمكن أن يقال بوجوبها عقلا لا شرعا ، أي لا تجب وجوبا مولويا شرعيا ؛ فإنّ التوبة كالتقوى والإطاعة رافعة للضرر ، ورفع الضرر لازم بحكم الفطرة « 1 » ، فكما أنّ الأوامر المتعلّقة بالطاعة والتقوى والنواهي الواردة في المعصية والفسق وغيرهما ، تحملان على الإرشاد إلى حكم العقل ، فكذا يحمل أوامر التوبة عليه ؛ فإنّ العقل بعد إخبار الشارع بأنّ التوبة تمحو أثر الذنب من العقاب وغيره ، يستقلّ بوجوبها فورا . وبالجملة ، استفادة الوجوب التعبّديّ من القرآن والسنّة مع ملاحظة حكم العقل بوجوبها مشكلة ؛ خلافا لسيّدنا الأستاذ الخوئي حيث قوّى في درسه وجوبها الشرعيّ ، اعتمادا على ظهور الأمر فيه . لكنّ التّحقيق أنّ هذا الوجه الذي ذكرنا ضعيف ؛ فإنّ العقل لا يدرك رافعيّة التوبة أو دافعيّتها للضرر إلّا بعد أمر الشارع بها وإيجابها من قبله . وفي مثله لا معنى لرفع اليد عن ظاهر الأوامر الشرعيّة جزما وإلّا لأمكن أن ننكر وجوب الصلاة المولويّ أيضا وإن نحمله على الإرشاد ؛ لأنّ العقل يحكم بلزومها بعد اطّلاعه ببيان نقليّ على أنّها تنهى عن الفحشاء والمنكر . ولم يقل أحد بوجوب الاستغفار مع كونه رافعا للضرر . نعم هنا إشكال قوّي آخر وهو أنّه إذا قلنا بالوجوب الشرعيّ وفرضنا أنّ العاصي لم يتب من عصيانه في الآن الأوّل ، يجب عليه في الآن الثاني التوبة من أصل المعصية ، ومن ترك التوبة منها ، وهكذا ، فتارك التوبة في مدّة قصيرة يستحقّ عقوبات ، وهكذا يتضاعف عليه استحقاق العقوبات ، وهو شاهد على نفي الوجوب الشرعيّ ؛ فإنّ تعدّد العقوبات المستحقّة بحيث ربّما تبلغ إلى الملايين خلاف ما ارتكز في أذهان المتشرّعة ؛ ولأنّ التوبة إنّما شرّعت رحمة للعباد وتخفيفا للعصاة ، ومحوا لآثار المعصية وقرب المكلّفين إلى حضرة الحقّ جلّت عظمته ، لا لأجل استحقاق العاصي آلاف عقوبة لأجل معصية واحدة . لا يقال : الرضا بالحرام حرام كما مرّ في الجزء الأوّل فمن لم يتب من عصيانه وكان
هامش
( 1 ) . والفرق إنّهما دافعتان للضرر وهي رافعة له ، ورفع الضرر كدفعه لازم ، هذا إذا قلنا إنّ استحقاق العقاب والبعد عن ساحة الحقّ بنفسه ضرر ، وإمّا إن قلنا بأنّ الضرر هو نفس العقاب ، فالتوبة أيضا دافعة للعقاب .