يكثرون تلاوة القرآن ، قال : فيقول لهم خازن النار : أشقياء ! ما كان حالكم ؟ قالوا : كنّا نعمل لغير اللّه عزّ وجلّ ، فقيل : تأخذوا ثوابكم ممّن عملتم له ( لهم ) » « 1 » .
أقول : دلّت الرواية على حرمة الرياء ، وأخذ الثواب ممّن عمل له لا يدلّ على بطلان العمل ضرورة أنّ نفي الثواب لا يدلّ على البطلان ؛ لاشتراطه بما لا يشترط في الصحّة ، وكثيرا ما يخلطون بين الأمرين ، كما أنّ عدم إحراق الأعضاء لأجل الأعمال المذكورة ، لا يدلّ على صحّة الأعمال الصادرة رياء ؛ إذ لعلّها باطلة ؛ ولكنّها مع ذلك مانعة عن العذاب ، فتأمّل ؛ إذ يمكن أن يقال : إنّ الرواية لا تدلّ على حرمة الرياء ، بل على بطلانها ودخول النار لأجل عدم الإتيان بالعبادات الواجبة المأمور بها .
في صحيح هارون بن مسلم عن مسعدة بن زياد ، عن الصادق ، عن الباقر عليهما السّلام : « إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله سئل فيما النجاة غدا ؟ فقال : إنّما النجاة في أن لا تخادعوا اللّه فيخدعكم ، فإنّه من يخادع اللّه يخدعه ويخلع منه الإيمان ( ينزع ) ، ونفسه تخدع لو تشعر . فقيل له :
وكيف يخادع اللّه ؟ قال : يعمل بما أمره اللّه ، ثمّ يريد به غيره ، فاتقوا اللّه ( فاجتنبوا ) الرياء ؛ فإنّه شرك باللّه ، إنّ المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء : يا كافر ، يا فاجر ، يا غادر ، يا خاسر ، حبط عملك ، وبطل أجرك ، ولا خلاق لك اليوم ، فالتمس ( فاطلب ) أجرك ممّن كنت تعمل له » « 2 » .
أقول : الرواية تدلّ على حرمة الرياء وشدّتها ، وليست كلمة « ثمّ » للتراخي الزماني ، بل المراد إرادة الغير بالعمل في حينه ، ويمكن أن يقال : إنّ إطلاقها يشمل صورة استقلال الغير وانضمامه ، ولا يبعد دلالة قوله : « حبط عملك » وبعده على بطلان العمل أيضا ، وكذا قوله : « فإنّه شرك باللّه » « 3 » ، ويمكن أنّ الرواية تدلّ على بطلان العمل دون الحرمة ؛ لاحتمال كون الأمر أرشادا إلى بطلانه وما يترتّب عليه من العقوبة والعذاب .
والروايات الواردة في الباب كثيرة ، لاحظ جامع الأحاديث « 4 » .
هامش
( 1 ) . المصدر ، ص 101 وج 1 ، ص 434 ( الطبعة الحديثة ) ؛ بحار الأنوار ، ج 8 ، ص 225 .
( 2 ) . المصدر .
( 3 ) . فإنّ الرياء فعل عبادي ، فإذا حرم فقد بطل ؛ لأنّ النهي في العبادات يوجب الفساد ، ضرورة عدم كون المبغوض مقرّبا ، وفي المنجد : الرياء : التظاهر بخير دون حقيقة .
( 4 ) . جامع الأحاديث ، ج 1 ، ص 425 - 458 .