بمثله في شيء من فروع الدين إلّا في تولّي أعداء الدين ؛ فإنّ التشديد فيه أيضا هي تشديد الربا ، وأمّا سائر الكبائر ، فإنّ القرآن وإن أعلن مخالفتها وشدّد القول فيها ، فإنّ لحن القول في تحريمها دون ما في هذين الأمرين حتى الزنا ، وشرب الخمر ، والقمار ، والظلم ، وما هو أعظم منها ، كقتل النفس التي حرم اللّه ، والفساد ، فجميع ذلك دون الربا ، وتولّي أعداء الدين .
أقول : من لاحظ الآيات الواردة في الربا والآيات الواردة في تولّي أعداء الدين ، وقد ذكرناها في هيأة « الأخذ » ، يعلم أنّ أمر الربا أشدّ في القرآن من أمر التولّي بكثير ، وكذا من جميع الفروع حتّى القتل ، والظاهر أشدّيّة أمر القتل من أمر التولّي ، فلاحظ « 1 » .
المبحث الثاني : أنّ اللّه تعالى لم يبيّن معنى الربا وحدوده مع تشديده في حرمته ؛ فإنّ الربا إن كان بمعنى الزيادة - كما هو الظاهر - فالأمر واضح ؛ إذ ليس مطلق الزيادة بحرام ، وكذا إن كان بمعنى الأخذ بأكثر ممّا أعطاه ، فلا بدّ من مراجعة السنّة في فهم المراد .
والخبط - على ما قيل - هو المشي على غير استواء ، فلعلّ المراد أنّ آكل الربا ينحرف عن الطريق الوسط بمسّ الشيطان ، ومع ذلك فهو لا يدلّ على حرمة أكل الربا ؛ فإنّ الانحراف المذكور مرتّب على الأكل وإنكار الحرمة ، منه ظهر أنّ الأنسب لتشريع الحكم ابتداء هو آية النساء ، وأنّ آيات البقرة مبسوقة بالحرمة ، كما يظهر للمتدبّر .
فقوله تعالى :
أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ . . .
إخبار لا إنشاء . ثمّ إنّ تحريم الربا في قوله :
وَحَرَّمَ الرِّبا
تكليفيّ ، كما يستفاد من السياق ، ووضعيّة تحليل البيع لا تكون قرينة على كون التحريم المذكور أيضا وضعيّا بحتا « 2 » .
وقوله تعالى :
فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ
يدلّ على وجه على فساد المعاملة والحرمة الوضعيّة مطلقا وإن لم يتب ، فإنّ عدم التوبة لا يصحّح المعاملة الربويّة قطعا ،
و
هامش
( 1 ) . إلّا أن يقال : في آيات البقرة أمران مهمّان : أحدهما : وعد الخلود في النار . وثانيهما : الحرب من اللّه ورسوله . والأوّل وارد في حقّ قتل المؤمن أيضا ، والثاني - بقرينة ذكر الرسول - تهديد بالقتل والعذاب الدنيوي ، واللّه العالم بالواقع .
( 2 ) . لكنّه يدلّ على بطلان المعاملة أيضا ، وإن شئت فقل : الحرمة أعمّ من التكليفيّة والوضعيّة .