( * ) مجادلة أهل الكتاب بغير الأحسن
قال اللّه تعالى :
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ
« 1 » .
قال في المجمع :
أي بالطريق التي هي أحسن ، وإنّما يكون أحسن إذا كانت المناظرة برفق ولين ؛ لإرادة الخير والنفع بها وفي هذا دلالة على وجوب الدعاء إلى اللّه تعالى على أحسن الوجوه وألطفها ، واستعمال القول الجميل في التنبيه على آيات اللّه « 2 » . - وقال في تفسير الاستثناء - : . . . والأوّل : أن يكون معناه إلّا الذين ظلموك في جدالهم ، أو في غيره ممّا يقتضي الإغلاظ لهم .
أقول : الدلالة على الوجوب المذكورة ممنوعة ؛ لأنّ المتيقّن من الاستثناء من الحرمة هو الجواز دون اللزوم . نعم ، قوله تعالى :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
دالّ على الوجوب ، لكنّ التعدّي من المخاطب - وهو النبيّ الأكرم صلّى اللّه عليه وآله - إلى غيره ، محتاج إلى دليل مفقود « 3 » ، ويحتمل أن يكون النهي إرشادا ويحتمل الكراهة بقرينة كلمة « أحسن » ؛ إذ حرمة المجادلة بالحسن بعيدة حدّا ، واللّه العالم .
ثمّ بناء على الحرمة ، هل يلحق بأهل الكتاب سائر فرق الكفّار ، والفرق الضالّة من المسلمين ، بل المؤمنين في المسائل العلميّة الخلافيّة أم لا ؟ فيه وجهان ، وكأنّما الأوّل أظهر .
وأمّا بناء على الإرشاد أو الكراهة ، فالظاهر هو الإلحاق ؛ لعدم الفرق في الأخلاقيات والهداية إلى الحقّ بأحسن الطريق بين أفراد الإنسان .
هامش
( 1 ) . العنكبوت ( 29 ) : 46 .
( 2 ) . يحتمل قويّا أنّ المراد بالأحسن - زيادة على ما ذكره - اتّخاذ مادّة الجدل من القطعيّات دون الظنّيّات ودون الشعريّات والمغالطات .
( 3 ) . القلب يشهد بالتعدّي .