تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة في القطع والظن — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
العقل بالقبح ؛ إلّاأنّا ندّعي أنّ هذه المفسدة لا يمكن أن‌تنهض لأن‌يحكم الشارع بالحرمة لأجلها لوقوعها في سلسلة معلولات الأحكام كما عرفت ؛ فالهتك المحرّم في الشريعة إنّما هو مختصّ بغير ما كان لأجل المخالفة والخروج عن زيّ العبوديّة بالنسبة إلى أوامره تعالى . الجهة الثالثة : في استحقاق المتجرّي للعقاب اعلم أنّ حكم العقل باستحقاق العقاب في موارد العصيان الواقعيّ ليس لأجل مجرّد مخالفة الحكم وإلّا لما انتفى العقاب في موارد الغفلة والنسيان ونظائرهما ، بل لأجل الخروج من زيّ العبوديّة والطغيان على المولى ولذا انحصر العقاب في صورة العلم والالتفات . وهذا الملاك بعينه جارٍ في التجرّي بلا اختلافٍ بينهما ، فالعقل يرى العاصي والمتجرّي سيّان في استحقاق العقاب فللمولى أن‌يعاقب المتجرّي بعين ما يعاقب العاصي . نعم يمكن الفرق بينهما في موردين : أحدهما : أنّ المولى يمكن له أن‌يجعل مقداراً معيّناً من العقاب على العاصي ولا يجعله على المتجرّي ، وهذا كما في التبعات الدنيويّة والأُخرويّة في مخالفة الأوامر الشرعيّة ؛ فإنّ الشارع جعل الحدود والقصاص والتعزيرات للعاصين دون المتجرّين ، فلايلزم مثلًا من جعله القصاص لمن قتل مؤمناً معتمّداً جعله أيضاً لمن قتل حيواناً بتخيّل أنّه مؤمن ، وكذا إذا فرضنا مثلًا أنّه جعل من آثار من يشرب الخمر في الدنيا عدم‌حظّه من ماء الكوثر فلايلزم جعله لمن شرب الماء بتخيّل أنّه خمر . وبالجملة ، العقل مستقل باستحقاق العقاب في المتجرّي كاستحقاق العقاب في العاصي وفي مقداره ، إلّاأنّه لا يحكم بلزوم جعل العقاب في المتجرّي بعين ما جعل في العاصي بل اختيار جعل العقاب بيد المولى فيمكن أن‌يجعله فيهما على حدّ سواء ويمكن أن‌يجعله في العاصي أزيد من