هامش
- تلامذته . ( 1 )
وفيه : أنّا لانشكّ في أنّ عقولنا مستقلّة بإدراك بعض المحاسن وبعض القبائح كالإحسان باليتيم وشتمه وإيذائه عليه وهذا الحكم منه لايتحقّق إلّابإدراكه تمام المصلحة في ذلك بحيث لا يحتمل وجود مانع يمنع عن تأثير هذه المصلحة في حكمه بالحسن والقبح ؛ فإذاً علمه بالمصلحة علمٌ بملاك الحكم الشرعيّ فلا مجال لعدم حكمه بوجود حكم شرعيّ في البين وإلّا لتخلّف المعلول عن علّته .
وذهب المحقّق السيّد محسن الحكيم مدّظلّه أنّ قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل ليس من الأحكام العقليّة بل من الفطريّات التي جُبِلَت عليها النفوس إذ لا ريب في بناء من له أدنى شعور وإدراك على الفرار من الأضرار حتّى الحيوانات والأطفال في مبدأ نَشوئهم وإدراكهم . والمراد من كونه من الفطريّات أنّه إذا أدرك الفاعل المختار الضرر في شيء ترجّح عدمه على وجوده وتعلّقت كراهته به فيفرّ عنه من دون توسّط إدراك العقل حسنَ الفرار عن الضرر ، وكذا إذا أدرك المنفعة في شيء رجّح وجودَه على عدمه وتعلّقت إرادته به من دون توسّط حكم العقل بحسنه .
فعلىهذا كانت القاعدة المذكورة بملاك وجوب تحصيل الغرض لا بملاك الحسن والقبح العقليّين فيكون انطباقها واقعاً تابعاً لنظر الفاعل المدرك فقديكون الضرر بلامزاحم فيفرّ عنه وقدلايكون فلايفرّ عنه . ولذا ترى العصاة مع علمهم بالضرر في مخالفة الوجوب والحرمة يقدّمون عليه لمزاحمته بضرر آخر أو المنفعة الشهويّة فليس ذلك لبنائهم على عدم وجوب دفع الضرر المقطوع بل لبنائهم على وجوب دفع الضرر الأهمّ ولو لزم منه الوقوع في الضرر المهمّ ؛ فالقاعدة لا يمكن أنتكون رادعة للعصاة عن عصيانهم ولا يمكن أنتكون موجبة لحصول الداعي بالنسبة إليهم على إتيان المكلّف به بل كان إقدامهم على المعصية إعمالًا لهم لهذه القاعدة . وفائدة التكليف إنّما هو لترجيح العقاب الأُخرويّ على سائر التمايلات الفطريّة حتّى يحصل بذلك الداعي نحو العمل بالمكلّف به فينطبق عليه القاعدة .
والمحصّل من الكلام : أنّ القاعدة إنّما هي الحكم الفطريّ فتوجب بعث الشخص على ما يكون في علمه منفعةً وزاجراً عنه عمّا يكون في علمه ضرراً ؛ فربما رجّح الضرر الأُخرويّ له وربما رجّح الضرر الشهويّ . فعلىهذا لا يمكن أنيقال بجريان قاعدة الملازمة على طبق
( 1 ) نهايةالأفكار ، ج 3 ، ص 145 . -