انسداد هذين البابين ينحصر وظيفته بالتقليد بحكم العقل ، لأنّ التقليد في مسألة جواز التقليد وإن كان غير صحيح كما عرفت لكنّ هذا إذا لم ينسدّ باب آخر لمعرفة حكم التقليد وأمّا مع انسداد سائر الأبواب مع فرض التكاليف الواقعيّة فالعقل يستقلّ بوجوب التقليد ، لكن لا يخفى أنّ هذا التقليد إنّما هو بحكم العقل بعد انسداد باب الاجتهاد والاحتياط بالإضافة
إليه وليس بحكم الفطرة والجبلّة كما ذكره صاحب « الكفاية » قدّس سرّه .
هذا ؛ ولكن يمكن أن يقال : إنّ أمر العامّي لا يصل إلى هذه المراتب التي ذكرناها لأنّه في بادي الأمر لمّا تحيّر في سلوك طريق الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط في الأحكام الواقعيّة وشكّ في جواز طبيعة الاجتهاد سواء كان في الأحكام الواقعيّة أو في نفس مسألة جواز الاجتهاد وكذا شكّ في طبيعة التقليد وفي طبيعة الاحتياط فقد يصير حيران كالمعلّق بين السماء والأرض ، لأنّه وإن فرض تمكّنه من الاجتهاد في الأحكام الواقعيّة أو تمكّنه من الاجتهاد في نفس مسألة جواز الاجتهاد لكنّه بعد الشكّ في جوازه لا يجديه تمكّنه من الاجتهاد أصلًا ، فإذاً علمه الإجماليّ بالتكاليف الواقعيّة بحسب الفطرة وحكم الجبلّة « 1 » يحرّكه إلى أن يرجع إلى الغير فيسأله عن حكم مسألة جواز التقليد وعدمه ، فالرجوع إليه في هذه المسألة في بدء النظر
هامش
( 1 ) - أقول : إنّ العامّي المتحيّر في طريق الوصول إلى الحكم الواقعيّ بالاجتهاد أو بالتقليد أوبالاحتياط والمتحيّر أيضاً في تعيين أحد هذه الطرق بالاجتهاد أو بالتقليد أو بالاحتياط مع فرض تمكّنه من الاجتهاد ، لا تحكم عليه الفطرة بالتقليد والرجوع إلى الغير بل الفطرة تحكم عليه بالاجتهاد ، لأنّه إذا انحصر الباب بالاجتهاد والتقليد فالفطرة قاضية حينئذٍ بأنّ تحصيل العلم بالواقع بالنظر والاجتهاد أولى من التقليد والمتابعة على العمياء ، فإذاً إنّه بحكم الفطرة والجبلّة يتفحّص بنفسه عن الطريق ؛ فعلى هذا لابدّ وأن يقال إنّ الفطريّ حينئذٍ هو الاجتهاد لا التقليد - منه عفي عنه .