ثمّ تصدّى - في كتابه الذي لم يضمّ على ضخامته إلّا القليل من المطالب - للانتقاد والردّ على كلام العلّامة في المقالة السادسة بشأن الإدراكات الاعتباريّة ، فخبط خبط عشواء .
ونرى أنفسنا مجبرين ؛ لإظهار مواقع الخطأ ومواضع الانحراف ؛ على إيراد بحث عن الاعتباريّات وانتهائها بالحقائق ، لتتّضح متانة ورسوخ كلام الأستاذ العلّامة وتفاهة وضحالة رأي المنتقد .
في معنى الاعتباريّات وقياسها مع الحقائق
فالحقائق عبارة عن الواقعيّات الموجودة في الخارج ، بما فيها المادّيّات والطبيعيّات والموجودات الملكوتيّة المجرّدة ، بما فيها من العلوم والمعارف الذهنيّة ، التي لم تتحقّق على أساس فرض فارض واعتبار معتبر .
أمّا الاعتباريّات فعبارة عن الأشياء التي محلّها وموقعها الذهن فقط ، والمتحقّقة على أساس فرض فارض ، بالشكل الذي تدور وجوداً وعدماً مدار الفرض والاعتبار ، فهي تكتسب تحقّقها الاعتباريّ بمجرّد الاعتبار ، وينتفي عنها أي تحقّق بمجرّد رفع اليد عن الاعتبار أو نقضه .
وبالطبع فإنّ لدينا قسماً ثالثاً غير هذين القسمين وهو الانتزاعيّات ، وهذه ليست من الحقائق ولا من الاعتباريّات ، بل تنشأ بواسطة انتزاع الذهن من الحقائق الخارجيّة ، فلا تحقّق لها في الخارج أبداً ، وكلّ ما هناك أنّ محلّها ومورد انتزاعها في الخارج ، كما في الفوقيّة والتحتيّة .
فعنوان الفوقيّة ، مثلًا فوقيّة سطح البيت نسبة إلى ساحته ليست شيئاً غير ذات السطح ، فنحن لا نجد شيئاً غير نفس السطح ، وغير سقف الغرفة الذي يعلوها باسم فوق ، فما هناك هو نفس السطح ، لكنّ ذهننا ينتزع من النسبة الخارجيّة بين سقف الغرفة وأرضيّتها عنواناً ندعوه ب - فوق .
وهذا العنوان محلّه الذهن لا الخارج ، ومبدأ انتزاعه في الخارج ، وهو