أكل الربا من المصاديق الواضحة للأحكام المخالفة للفطرة
ويعدّ الربا من المصاديق والأحكام المعاكسة للفطرة بشكل واضح وبيّن ، ويتضمّن معناه الاستفادة المجّانيّة وبلا عوض من جهود الناس وأتعابهم ، فهو في الحقيقة يمثّل استخدام الشخص المظلوم وتسخيره لخدمة الشخص الظالم المتجاوز ، فالشخص المرابي يأخذ فائدة مقابل لا شيء ، إذ عند استرداده القرض الذي أقرضه ، فما معنى أخذه الزيادة عليه ؟ ! خلافاً للبيع والشراء اللذين يمثّلان حصول منفعة إزاء عمل معيّن ، وفي الحقيقة فإنّهما يمثّلان حصول منفعة مقابل صرف عمر بذله البائع في تهيئة الأجناس المعيّنة وعرضها .
ونلحظ لهذا أنّ الشخص المشتري لا يحسّ بالقلق والضجر بالفطرة والوجدان حين يشتري شيئاً مع علمه بأنّ البائع ينتفع ببيعه منه ، على العكس من الشخص المستقرض الذي يحسّ بالضجر والملل والقلق تجاه الزيادة التي يتقاضاها منه المقرض ، فلكأنّما قرعته قارعة أو ألمّ به خطب ، فمهما كانت الزيادة طفيفة وتافهة - وهذا لا يحصل إلّا بإحساس الشخص المقترض عند سداده للزيادة بإجباره على ذلك وقهره عليه - لا فرق في هذا الأمر بأ يّ مذهب ونظام تمّ ؛ وهو معنى كون جميع أقسام الربا وتصريف النقود وفوائد البنوك أمراً غير فطريّ ، بل معاكساً للفطرة ، ولو كانت الفائدة المستحصلة في أدنى مراتبها .
لقد حوّل مرابو العالم والبنوك الدنيا إلى سوق للاستثمار والاستعمار والاستهلاك والاستعباد ، وهو أقسى وأشدّ ألف مرّة ممّا كان يحصل في زمن الرقّ والعبوديّة وشراء وبيع الغلمان والجواري ، فذاك كان يحصل لفئة وطبقة خاصّة وفي موارد معيّنة محدودة ، وهذا يمثّل ابتلاع جميع العالم وجهود الشيخ والشابّ والرجل والمرأة والآمر والمأمور والرئيس والمرؤوس وصاحب العمل والموظّف بلقمة واحدة .