ولهذا الأمر فقد عدّت أحاديث كثيرة العلمَ منحصراً بالعلم الحقيقيّ المستقرّ في القلب والملازم للعمل .
وجاء في « مصباح الشريعة »
قَالَ الصَّادِقُ عَلَيهِ السَّلَامُ . لَا يَحِلُّ الفُتْيَا لِمَنْ لَا يَسْتَفْتِي مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِصَفَاءِ سِرِّهِ ؛ وَإخْلَاصِ عَمَلِهِ ؛ وَعَلَانِيَتِهِ ؛ وَبُرْهَانٍ مِنْ رَبِّهِ في كُلِّ حَالٍ . لأنَّ مَنْ أفْتَى فَقَدْ حَكَمَ ؛ وَالحُكْمُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِإذْنٍ مِنَ اللهِ وَبُرهَانِهِ . وَمَنْ حَكَمَ بِخَبَرٍ ( بَالخَبَرِ - خ ل ) بِلَا مُعَاينَةٍ فَهُوَ جَاهِلٌ مَأخُوذٌ بِجَهْلِهِ ، وَمَأثُومٌ بِحُكْمِهِ .
قَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ . أجْرَؤُكُمْ عَلَى الفُتْيَا أجْرَؤُكُمْ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ .
أوَ لَا يَعْلَمُ المُفْتِي أنَّهُ هُوَ الذي يَدْخُلُ بَيْنَ اللهِ تعالى وَبَيْنَ عِبَادِهِ وَهُوَ الجَائِزُ ( الحَائِرُ - خ ل ) بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ . « 1 »
هامش
( 1 ) - « مصباح الشريعة » ص 41 و 42 ، الباب 63 من طبعة نشر كتاب مصطفوي ؛ وج 2 ، ص 67 إلى 71 ، وبرقم تسلسل ص 351 إلى 355 من الشرح الفارسيّ ل - « مصباح الشريعة » للملّا عبدالرزّاق الگيلانيّ ( الجيلانيّ ) ، وتصحيح المحدِّث الأرمويّ . و « بحار الأنوار » ج 1 ، ص 101 ، باب النهي عن القول بغير علم ، طبعة الكمبانيّ . و « مستدرك الوسائل » ج 3 ، ص 194 ، باب ما يتعلّق بأبواب صفات القاضي وما يجوز أن يقضي به ، الطبعة الحجريّة ، و « المحجّة البيضاء » ج 1 ، ص 147 و 148 .
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ . كَيفَ يَنْتَفِعُ بِعِلْمِي غَيْرِي وَأنَا قَدْ حَرَمْتُ نَفْسِي ؟ وَلَا تَحِلُّ الفُتْيَا في الحَلَالِ وَالحَرَامِ بَيْنَ الخَلْقِ إلَّا لِمَنِ اتَّبَعَ الحَقَّ مِنْ أهْلِ زَمَانِهِ وَنَاحِيَتِهِ وَبَلَدِهِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ( إلَّا لِمَنْ كَانَ أتْبَعَ الخَلقِ مِنْ أهلِ . . . بِالحَقِّ - خ ل ) وَعَرَفَ مَا يَصْلَحُ مِنْ فُتْيَاه ؛ قَالَ النَّبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ . وَذَلِكَ لَرُبَّمَا وَلَعَلَّ وَلَعَسَى ، لأنَّ الفُتْيَا عَظِيمَةٌ . قَالَ أمِيرُالمُؤْمِنيِنَ عَلَيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِقَاض . هَلْ تَعْرِفُ النَّاسِخَ مِنَ المَنْسُوخِ ؟ ! قَالَ . لَا ! قَالَ . فَهَلْ أشْرَفْتَ عَلى مُرَادِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ في أمْثَالِ القُرْآنِ ؟ قَالَ . لَا ! قَالَ . إذَاً هَلَكْتَ وَأهْلَكْتَ . وَالمُفْتِي يَحْتَاجُ إلى مَعْرِفَةِ مَعَانِي القُرْآنِ وَحَقَائِقِ السُّنَنِ وَمَوَاطِنِ ( بَوَاطِنِ - خ ل ) الإشَارَاتِ وَالآدابِ وَالإجْمَاعِ وَالاخْتِلَافِ ، وَالاطِّلَاعِ عَلَى اصُولِ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ، ثُمَّ إلى حُسْنِ الاخْتِيارِ ، ثُمَّ إلى العَمَلِ الصَّالِحِ ، ثُمَّ الحِكْمَةِ ، ثُمَّ التَّقْوَى ، ثُمَّ حِينَئِذٍ إنْ قَدَرَ !
يقول محيي الدين بن عربي في « الفتوحات المكّيّة » ج 3 ، ص 69 ، الباب 318 . فَمَا ثَمَّ شَارِعٌ إلَّا اللهُ تعالى . قَالَ اللهُ تعالى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [ وَآلِهِ ] وَسَلَّمَ .« لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ »، وَلَمْ يَقُلْ بِمَا رَأيْتَ ، بَلْ عَتَبَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتعالى لَمَّا حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ بِاليَمِينِ في قَضِيَّةِ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ ، فَقَالَ تعالى :« يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ »فَكَانَ هَذَا مِمَّا أرَتهُ نَفْسُهُ ، فَهَذَا يَدُلُّك أنَّ قَوْلَهُ تعالى :« بِما أَراكَ اللَّهُ »أنَّهُ مَا يُوحَي به إليه لَا مَا يَرَاهُ في رَأيِهِ ، فَلَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأي لَكَانَ رَأيُ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ [ وَآلِهِ ] وَسَلَّمَ أوْلَي مِن رَأيِ كُلِّ ذِي رَأي ؛ فَإذَا كَانَ هَذَا حَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ [ وَآلِهِ ] وسَلَّمَ فِيمَا أرَتْهُ نَفْسُهُ ، فَكَيفَ رَأيُ مَنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ ؟ وَمَنِ الخَطَا أقْرَبُ إليه مِنَ الإصَابَةِ . فَدَلَّ أنَّ الاجْتِهَادَ الذي ذَكَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ [ وَآله ] وَسَلَّمَ إنَّمَا هُوَ طَلَبُ الدَّلِيلِ عَلَى تَعْيِينِ الحُكْمِ في المَسْألَةِ الوَاقِعَةِ لَا في تَشْرِيعِ حُكْمٍ فِيالنَّازِلَةِ ، فَإنَّ ذَلِكَ شَرْعٌ لَمْ يَأذَنْ بِهِ اللهُ - إلى آخر بحثه في هذا الباب .
وقد نقل الملّا السيّد صالح المولويّ الخلخاليّ التلميذ المبرّز للميرزا السيّد أبي الحسن جلوه الأصفهانيّ الذي شرح « المناقب » المنسوب إلى محيي الدين في صفحة 29 ، عين عبارات محيي الدين هذه عن المحدّث النيشابوريّ ، وذكر نقل باب آخر في « الفتوحات » . لَا يَجُوزُ أنْ يُدَانَ اللهُ بِالرَّأي وَهُوَ القَوْلُ بِغَيرِ حُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ مِن كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إجْمَاعٍ . وَأمَّا القِيَاسُ فَلَا أقُولُ بِهِ وَلَا اقَلِّدُ فِيهِ جُمْلَةً وَاحِدَةً ، فَمَا أوْجَبَ اللهُ عَلَيْنَا الأخْذُبِقَوْلِ أحَدٍ غَيْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ [ وَآلِهِ ] وَسَلَّمَ . ثمّ أورد شرحاً على دلالة هذا المرام على تشيّعه .