للقوانين الطبيعيّة ، وهي التي تجري في الإنسان قبل عقده المجتمع الصالح لإسعاده ، فإنّ الاختلاط والاستيناس في المجتمع المنزليّ يبطل غريزة التعشّق والميل الغريزيّ بين الإخوة والأخوات ] وهو قولٌ فاسد ، لأنّه ممنوع كما تقدّم أوّلًا ، ومقصور في صورة عدم لحاجة الضروريّة ثانياً ، ومخصوص بما لا تكون القوانين الوضعيّة غير الطبيعيّة حافظة للصلاح الواجب الحفظ في المجتمع ومتكفّلة لسعادة المجتمعين ، وإلّا فمعظم القوانين المعمول بها والأصول الدائرة في الحياة اليوم غير طبيعيّة » . « 1 »
ردّ العلّامة الطباطبائيّ قدّس الله نفسه على فرضيّة تغيّر الأنواع
هامش
( 1 ) - « الميزان في تفسير القرآن » ج 4 ، ص 154 و 155 .
لذا يمكن الاستنتاج أنّ قولهم بتقديم تلك المجموعة من الروايات ذات السند الأصحّ ، والاستناد إلى أنّ الزواج بالأخوات سفاح هو رفض لظاهر الآية وكلام خالٍ من التحقيق قد يقبله العوامّ ، وذلك أوّلًا . لأنّ الآية كانت أعلى من الظهور وقريبة من النصّ ، لأنّها كانت في مقام بيان خصوصيّة وكيفيّة انتشار أولاد آدم . 0 وقد أورد العلّامة في مواضع عديدة من تفسيره أنّ الروايات الواردة في التفسير هي غير الروايات الواردة في الأحكام ، ويجب أن لا تكون خبراً لواحد ، بل مقطوعة الصدور .
ثانياً . لأنّ تزاوج أولاد آدم مع الملائكة والحور من الجنّة أو بالجنّ والشياطين في عالم المادّة والطبيعة مخالف للُاصول العلميّة الطبيعيّة ومخالف للقواعد والأصول العقليّة الحِكميّة ، لأنّ تزواج فرد طبيعيّ مع فرد مجرّد معنويّ لا يحصل إلّا عن طريق الإعجاز ، ولم يكن ظاهر الآيات إعجازيّاً ، وإلّا فإنّه كان ممكناً أن يولد أولاد آدم بلا أب أو امّ في المرتبة الأولى ، شأنهم في ذلك شأن عيسى ابن مريم .
ثالثاً . فإنّ نزول المَلَك والحوريّة غير متصوّر - وفق آيات القرآن - مع أصل وثبات هذه النشأة ، كما ورد في الكثير من الآيات أن .وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ( الآية 9 ، من السورة 6 . الأنعام )؛ قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا( الآية 95 ، من السورة 17 . الإسراء ) ؛وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ( الآية 8 ، من السورة 6 . الأنعام ) .
رابعاً . أنّ هذه الفرضيّة تستلزم مشاركة الغول والجنّ في آباء الأنبياء الكرام والذوات الطاهرة ، وحاشاهم عن ذلك .
خامساً . فإنّ نزول حوريّة وجنّيّة في عالم الطبيعة يجب أن يرجع في النهاية إلى إنسان حسن السيرة وآخر سيّئ السيرة ، لأنّ تلبّس الملك والجنّ بلباس المادّة سوف لن يجعله إلّا إنساناً ، وسيدعم هذا القول رأي القائلين بتكامل الأنواع وعدم انتهاء النسل البشريّ إلى آدم وحوّاء ، وقد جرى بيان فساد هذا القول مفصّلًا .
أورد آية الله الشعرانيّ في كتاب « طريق السعادة » ص 138 و 139 ، الطبعة الأولى . أنّ إليه ود والنصارى يقولون بعدم وجود النسخ في أحكام الله ، لأنّ إرادة الله لا تتغيّر ، فما حُكم به بقي أزلًا وأبداً . ويقولون إنّ موسى أوّل من أورد الشرائع ، وهذه الشريعة باقية إلى يوم القيامة . وقد استدلّ المرحوم الشعرانيّ لإبطال كلامهم وإثبات التناسخ بوجوه . . . حتى يصل إلى القول . ويقول إليه ود إنّ يعقوب كان له زوجتين أختين . لياه وراحيل ؛ ومن ثمّ فقد كان الجمع بين الاختينِ في شريعة إبراهيم جائزاً ، ثمّ جرى تحريمه في شريعة موسى عليه السلام .
ويقول المفسّرون إليه ود أيضاً إنّ عمران أبا موسى عليهالسلام تزوّج عمّته فولد له منها موسى وهارون عليهما السلام ، ومن ثمّ فقد كان الزواج بالعمّة في شريعة إبراهيم جائزاً ثمّ حُرّم في التوراة .
ويتّضح من سفر التكوين « 12 . 20 » أنّ سارة كانت أخت إبراهيم لأبيه ؛ فإن صحّ ذلك فقد نُسخ حكم ذلك في شريعة موسى وثبت النسخ ، وإن لم يصحّ فلا اعتماد على التوراة ولا اعتبار لحكم أبديّتها .