ما اوتى من قوّة في إدامة حياته وتأمين بقائه حتى يأتيه الموت الذي لابدّ منه .
وذلك لأنّ الإنسان وحقيقته ووجوده ليست بقيام بدنه وجسمه ، ليكون له الخيار في تركه والفكاك منه ، بل إنّ واقعيّته وحقيقته في نفسه الناطقة وروحه ، وهي لا تموت بموت بدنه ، وعليه أن يبقى في هذه الدنيا ما دام لم يصل بعدُ إلى كماله ، مهما تجشّم المصاعب والمشكال ، إذ ربّما كانت هذه المصاعب أيضاً من موجبات تكامله الروحيّ ؛ والانتحار هو الموت قبل الموعد الطبيعيّ ، وهو قطف الثمرة الفجّة من الشجرة قبل نضجها ، وخلع ثوب النفس الناطقة وانتزاعها من البدن قبل فعليّتها وهي لا تزال في نطفة الاستعداد والقابليّة .
وعلى هذا الأساس فلا يُشاهَد وقوع الانتحار بين المسلمين أبداً ، وإذا ما حصلت كلّ سنة حادثة أو حادثتان من هذا القبيل فهي ناجمة من جهل هؤلاء بهذه المسألة ، وبتخيّلهم الخلاص من هذه الدنيا ومحنها وآلامها ومصائبها ، غافلين عن أنّ نار جهنّم أشدّ من هذه المحن والآلام وأكثر إحراقاً وصهراً .
أمّا في بلاد الكفر ، وخاصّة اوروبّا وأمريكا فالانتحار من الشيوع للحدّ الذي صار يشكّل رقماً ملحوظاً كلّ يوم من الوفيّات في المدن ، فهم ينتحرون بمجرّد الاصطدام بعقبة أو مشكلة ، وهم لهذا السبب ضعيفو الإرادة قليلو الصبر والتحمّل ، لا يمتلكون قدرة تحمّل مشاكل الأمراض الصعبة ، والاختلافات الشديدة بين الأزواج ، أو مع الجيران ، ومشاكل الفقر والفاقة ، والفشل في الامتحانات النهائيّة ، وامتحانات القبول في الجامعات وغيرها ؛ فهم يقدمون على الانتحار بمجرّد وقوع بعض هذه المشاكل .
وقد سمعتُ مراراً أنّ في إنجلترا ؛ حيث يندر أن يرى الناس
نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت — صفحة 132
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٣٢