تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
ولا تعترف له بشخصيّة ولا أصالة ، بل هو في نظرها ليس إلّا وسيلةً من وسائل العمل ، وأداةً للحصول على المقاصد المادّيّة والموارد الاقتصاديّة . « 1 »
هامش
( 1 ) - يقول أحمد أمين المصريّ في كتابه « يوم الإسلام » ص 170 إلى 173 . نعم إنّ هناك فروقاً اجتماعيّة كبيرة بين العالم الاوروبّيّ والعالم الإسلاميّ ، فالعالم الاوروبّيّ يبني حياته على العلم والنتائج العلميّة والاستقلال والحرّيّة والابتكار ونحو ذلك ، والعالم الإسلاميّ ينظّم حياته على أساس الاتّكال والخمول والاعتقاد الذي ساد في القضاء والقدر ويطربه جدّاً سماع قصص تروي عن غنيّ افتقر أو فقير اغتنى . وشيخ استولى ونحو ذلك . ونحن لا نريد أن يحذو المسلمون حذو الاوروبّيّين في كلّ شيء بل نريد أن يحذو حذو الاوروبّيّين في العلوم والصناعات بحذافيرها من غير قيد ولا شرط ولكن يحتفظون بروحانيّتهم ونظرتهم إلى العالم نظرة غير النظرة الاوروبّيّة . فالاوروبّيّ ينظر إلى الطبيعة كأنّها عدوّ يكافحه ليفشي سرّه ، ولكنّ النظرة الإسلاميّة تنظر للطبيعة على أنّها صديق وأنّها من نتاج الربّ الذي أنتجه . والاوروبّيّون يضعون الله كما توضع الصورة الجميلة على الرفّ لا دخل لها فيما يحدث حولها ، والمسلمون يرون الله في كلّ شيء ، في الأمور الدينيّة والدنيويّة معاً ، فإذا باعوا أو اشتروا أو أجّروا أو رهنوا راقبوا الله ، حتى في أصغر الأعمال كالاستياك والاغتسال ، وعندهم أنّ النيّة الصادقة أقوم من العمل نفسه وفي حديث رسولهم صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم . إنَّما الأعمال بالنيّات وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى . وفرق بين رجلين يعملان عملًا واحداً أحدهما نوى الخير فيما يعمل والآخر لم ينو شيئاً أو نوى الشرّ . فهم يسيرون في حياتهم الدنيويّة متأثّرين بالدين وليس الدين مقصوراً على العبادات . وهذا ما ينقص الغرب ، فإن وجب على المسلمين أن يقلّدوا الغربيّين في العلم والصناعات تقليداً تامّاً ويسايروهم ويجروا معهم وجب أن يحتفظوا بنظرتهم الدينيّة إلى الحياة وهي النظرة التي يتميّزون بها عن الغربيّين ، ولكنّ موضع السوء أنّ كثيراً من المسلمين وخاصّة المتنوّرين منهم يريدون أن يقلّدوهم تقليداً تامّاً في كلّ شيء حتى في نظرتهم إلى الطبيعة ونظرتهم إلى الحياة . ويدعوهم إلى ذلك خطأ كبير وقعوا فيه وهو ما عندهم من مركب النقص إذ ظنّوا أنّ الغربيّين متى فاقوهم في العلم وجب أن يقلّدوهم في كلّ شيء ، وفاتهم أنَّ المهارة في ناحية لا تقتضي المهارة في النواحي الأخرى وأنّ روحانيّتهم ونظرتهم إلى العالم خير من نظرة الاوروبّيّين ، ولا يمكن أن يفيقوا من غفلتهم إلّا إذا اعتقدوا أنّ روحانيّتهم خير للعالم كلّه وأنّهم إذا كانوا انحطّوا في العلم والصناعة فقد سموا بالفطرة الروحانيّة ، وأنّهم إذا وجب أن يقلّدوا في العلم وجب أن يقلّدهم الاوروبّيّون في النظرة الروحانيّة وليس الاوروبّيّون متسامين في كلّ شيء . ومن المؤسف أنّهم حذوا حذو الاوروبّيّين في تعليمهم ونمط تربيّتهم ، فأسّسوا المدارس المدنيّة على النمط الاوروبّيّ ولم يشذّ عن ذلك إلّا الأزهر ، وقد قال أبو العلاء المعرّيّ .اثنان أهل الأرض ذو عقل بلا* دين وآخر دين لا عقل لهفالمدارس المدنيّة محرومة من التربية الدينيّة والأدبيّة . نعم يسوغ لنا أن نقلّدهم تمام التقليد في العلوم ومعامل التجارب ونحو ذلك فقط ولكن لا نقلّدهم في الناحية الأدبيّة ، فهم يدرسون التأريخ على أنَّ اوروبّا سَيِّدَةُ العالم ، وعلى أنّ رَجُلَها الأبيض هو المسؤول عن الأسود والأصفر ، وأنّ الله خلق العالم قسمين . قسماً اوروبّيّاً سامياً وقسماً غير اوروبّيّ منحطّاً ، ومن أجل ذلك يؤرِّخون اوروبّا كأنّها المركز وما حولها نقط على المحيط ، وإذا جاءوا للتأريخ الإسلاميّ اقتضبوه أو حرّفوه ، فوجب على المسلمين أن يفرّقوا بين ما هو علميّ يُقَلَّد وما هو أدبيّ لا يُقَلَّد . وهذه المدارس لا تأبه بالدين إلّا شكليّاً ولذلك يجهلون أصول الدين كلّ الجهل ويتبعون الاوروبّيّ في منهجهم كلّ الاتّباع ، ورأس هذه الحركة الجامعة المصريّة التي تقود المدارس الثانويّة والابتدائيّة ، فهم لا يسألون في كلّ أمر عرض ماذا رأى الإسلام ؟ ولكن يسألون ماذا يرى الاوروبّيّون ؟ كأنّ الله اصطفى الاوروبّيّين وحدهم وجعل غيرهم ذيلًا لهم . وإن كان في كلٍّ من الشرق والغرب عيوب ففيه أيضاً محامد ؛ فالغرب أصحّ رأساً وأعظم علماً وأصبر على الشدائد وعلى البحث العلميّ ، وله مهارته في الذكاء وله اليد المفكّرة ، والشرق له سماحة صدر وله روحانيّة يعترف بها حتى الأقدمون ؛ فقد قال فندلبند عند كلامه على الإسكندريّة إنّه قد التقت فيها مادّيّة الغرب بروحانيّة الشرق .