بِهِ ، فَخَرَجَ مِن صِفَةِ الْعَمَى وَ مُشارَكَةِ أهْلِ الْهَوَى ، و صارَ مِنْ مَفاتيحِ أَبوابِ الْهُدى وَ مَغاليقِ أَبوابِ الرَّدَى . قَدْ أَبْصَرَ طَريقَهُ وَ سَلَكَ سَبيلَهُ ، وَ عَرَفَ مَنارَهُ وَ قَطَعَ غِمارَهُ ، وَاسْتَمْسَكَ مِنَ الْعُرَى بِأَوْثَقِها وَ مِنَ الْحِبالِ بِأَمْتَنِها ، فَهُوَ مِنَ الْيَقِينِ عَلى مِثْلِ ضَوْءِ الشَّمْسِ .
و فى كَلامٍ ءَاخَرٍ لَه عَليهِالسَّلامُ :
قَد أَحْيى قَلْبَهُ وَ أَماتَ نَفسَهُ ، حَتّى دَقَّ جَليلُهُ وَ لَطُفَ غَليظُهُ ، وَ بَرَقَ لَه لامِعٌ كثيرُ الْبَرْقِ ، فَأَبانَ لَهُ الطَّريقَ وَ سَلَكَ بِهِ السَّبِيلَ ، وَ تَدافَعَتْهُ الأَبْوابُ إلى بابِ السَّلامَةِ وَ دارِ الإقامَةِ ، وَ ثَبَتَتْ رِجْلاهُ بِطُمَأْنينَةِ بَدَنِهِ فى قَرارِ الْأَمْنِ وَ الرَّاحَةِ ، « 1 » بِما اسْتَعْمَلَ قَلْبَهُ و أرْضَى رَبَّهُ .
- إلى غَيرِ ذَلِكَ مِمّا لَيسَ هُنا مَحلُّ ذِكرِهِ .
وَاعلَم أنّ مَن أرادَ اللَهُ بِه خَيْرًا مِن الطّالِبينَ ، يَسَّرَ اللهُ لَه شَيخًا مِن أهلِ هذا الطَّريقِ يَتَولَّى تَربيَتَهُ فى طريقِ الحَقِّ ، وَ إلّاطالَت عَليهِ الطَّريقُ و حَصَلَ على التَّعْويقِ و تَزَلزَلَ قَدَمُهُ فى طَريقِ الإرادَةِ . فَلَو أجهَدَ نَفسَهُ ، ما خَرَجَ من مُتَواطى العادَةِ ، اللهُمَّ إلّاأن يَستَعمِلَ ما قَرَّروهُ و يُلزِمَ نَفسَهُ ما أسَّسوهُ ؛ فَبِتَصحيحِ البداياتِ تُنالُ الغاياتُ وَ بِتَأسيسِ القَواعِدِ تَعلو السَّريَّاتُ .
أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ .
هامش
( 1 ) . قال كمالالدّين ميثم بن علىّ بن ميثم البحرانىّ فى شرح هذا الكلام :
و هو إشارةٌ إلى الطّور الثّانى للسّالك بعدَ طور الوقت و يُسمَّى طمأنينةً ؛ و ذلك أنّ السّالكَ مادام فى مرتبة الوقت فإنّه يَعرض لبدنه عند لمعان تلك البروقِ فى سرّه ، اضطرابٌ و قلقٌ يحسّ بها خلسةً ، لأنّ النّفس إذا فاجأها أمرٌ عظيمٌ اضطربت و تقلقلت ، فإذا كثُرت تلك الغواشى ألفتْها بحيث لا تنزعج عنها و لاتضطرب لورودها عليها بل تسكن و تطمئنّ ، لثبوت قدم عقله فى درجة أعلى من درجات الجنّة الّتى هى قرار الأمن و الرّاحة من عذاب الله . ( شرحنهجالبلاغة ، ج 4 ، ص 54 )