يستطيعون الصبر على ما هو لا شيء بالنسبة إلى النار ، ولكنها الغفلة والجهل واتباع الهوى والأنانية والاستكبار ، هذه المفارقة التي يسجلها أمير المؤمنين في دعائه المعروف الذي علمه لصاحبه كميل بن زياد : ( يا رَبِّ ارْحَمْ ضَعْفَ بَدَني وَرِقَّةَ جِلْدي وَدِقَّةَ عَظْمي ) ، ثم يقول ( يا رَبِّ وَأَنْتَ تَعْلَمُ ضَعْفي عَنْ قَليل مِنْ بَلاءِ الدُّنْيا وَعُقُوباتِها وَما يَجْري فيها مِنَ الْمَكارِهِ عَلى أهْلِها ، عَلى أنَّ ذلِكَ بَلاءٌ وَمَكْرُوهٌ قَليلٌ مَكْثُهُ ، يَسيرٌ بَقاؤُهُ ، قَصيرٌ مُدَّتُهُ ، فَكَيْفَ احْتِمالي لِبَلاءِ الآخِرَةِ وَجَليلِ وُقُوعِ الْمَكارِهِ فيها ، وَهُوَ بَلاءٌ تَطُولُ مُدَّتُهُ وَيَدُومُ مَقامُهُ وَلا يُخَفَّفُ عَنْ أهْلِهِ ؛ لأَنَّهُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ غَضَبِكَ وَاْنتِقامِكَ وَسَخَطِكَ ، وَهذا ما لا تَقُومُ لَهُ السَّماواتُ وَالأَرْضُ ، يا سَيِّدِي فَكَيْفَ بي وَأنَا عَبْدُكَ الضَّعيفُ الذَّليلُ الْحَقيرُ الْمِسْكينُ الْمُسْتَكينُ ؟ ، يا إلهي وَرَبّي وَسَيِّدِي وَمَوْلايَ لأَيِّ الأُمُورِ إِلَيْكَ أَشْكُو وَلِما مِنْها أَضِجُّ وَأَبْكي ؟ لأليمِ الْعَذابِ وَشِدَّتِهِ ، أَمْ لِطُولِ الْبَلاءِ وَمُدَّتِهِ ) ، ثم ينتقل إلى ذكر العقوبات الروحية التي هي أقسى من المادية فيقول : ( فَلَئِنْ صَيَّرْتَني لِلْعُقُوباتِ مَعَ أعْدائِكَ وَجَمَعْتَ بَيْني وَبَيْنَ أهل بَلائِكَ وَفَرَّقْتَ بَيْني وَبَيْنَ أَحِبّائِكَ وَأَوْليائِكَ ، فَهَبْني يا إِلهي وَسَيِّدِي وَمَوْلايَ وَرَبّي صَبَرْتُ عَلى عَذابِكَ فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَلى فِراقِكَ ؟ ، وَهَبْني صَبَرْتُ عَلى حَرِّ نارِكَ فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَنِ النَّظَرِ إلى كَرامَتِكَ ؟ ) .
الأخبار في وصف نار جهنم :
وأعود إلى نقل تلك الأخبار ، فقد روي بسند صحيح عن أبي بصير عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : ( قلت له : يا ابن رسول الله خوّفني « 1 » فإن قلبي قد قسى . فقال : يا أبا محمد ، استعد للحياة الطويلة ، فإن جبرائيل جاء على
هامش
( 1 ) في وصية لأمير المؤمنين لابنه الحسن ( عليهما السلام ) ( قال : يا بني أحيِ قلبك بالموعظة وأمته بالزهادة ) ( نهج البلاغة ، الجزء الثالث ) .