بالنعم وإن كانوا يعصونه ويستكبرون عن طاعته وتنفيذ أوامره ، ويحلم عنهم ويرعاهم ويرحمهم ، فالمتخلقون بأخلاق الله عاكسون للصفات الإلهية ومظهرون لها كما تعكس المرآة الصور ، فمثلًا : العالم يستطيع أن يظهر علمه مباشرة بالتدريس أو التآليف ، ولكنه يمكن أن يظهره من خلال تربية طلابه وإعدادهم فيكونون مظهرين لعلمه ، والله تبارك وتعالى قد أظهر علمه مباشرة بهذ القرآن ، ولذا قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( لقد تجلّى الله لعباده في كتابه ، ولكن لا تبصرون ) ، والتجلي الثاني لعلمه تبارك وتعالى هم محمد وآل محمد ( صلى الله عليهم أجمعين ) المظهرون لعلمه .
النفس مظهر الصفات الإلهية :
والنفس الإنسانية مظهر للصفات الإلهية تتجلى فيها ، لذا جاء الحديث الشريف :
( من عرف نفسه فقد عرف ربَّه )
، وأحد هذه التجليات للنفس كان حين عرض الخالق على المخلوقين الأمانة في عالم الذر ، وقد بينته الآية الشريفة
( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ )
( الأعراف : 172 ) .
ففي كل شهادة توجد مرحلتان : مرحلة تحمل الشهادة بمعنى الاطلاع على المشهود عليه والتيقن به ، والمرحلة الثانية أداء الشهادة بعد تحملها ، وهذا مذكور في كتب الفقه ، فمثلًا حينما يرى الشخص إجراء الطلاق من قبل الزوج فهذا تحمّل للشهادة ، وعندما يدعى إلى الشهادة عند القاضي ويدلي بشهادته فهذا أداء للشهادة .
فالله تبارك وتعالى حمَّل بني آدم الشهادة أولا بأن أطلعهم على أنفسهم وكانت صافية كالمرآة تعكس حقيقة ربوبية رب العالمين ، فوجدوا فيها حقيقة الربوبية لله تبارك وتعالى والفقر التام إلى لطفه ورعايته ، لذلك حينما سئلوا :