تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خطاب المرحلة — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
قارئي الكف والرمل والأبراج والطريحة وأصحاب النور والمطوعات ونظائرها مما ينطلي على الجهلة والسذج . ومن سمات الجاهلية الصد عن القرآن وعزل الناس عنه بشتى الطرق فقد كان النضر بن الحارث وهو ممن ذهب إلى بلاد فارس وتعلم من أخبار ملوكهم يتعقب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فإذا قام ( صلى الله عليه وآله ) من مجلس جلس إليهم النضر وتحدث لهم ثم يقول : بالله أيّنا أحسن حديثاً قصصاً أنا أو محمد ؟ وكانوا يصفون القرآن بأنه أساطير الأولين أو أحاديث اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلًا أو حديث يفترى ، أو يصفقون بصوت عال عند تلاوته ( صلى الله عليه وآله ) للقرآن ليحولوا دون سماعه ، ويصف القرآن موقفهم هذا بقوله :
( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ )
( فصلت : 26 ) ، وقال تعالى :
( وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ )
( القمر : 2 ) ، وها هي جاهلية اليوم تصف القرآن نفس الأوصاف بأنه من كلام محمد ويمثل نبوغاً إنسانياً وليس وحياً إلهياً ، وحاولوا التأليف في متناقضات القرآن ولكنهم لما عجزوا واكتسحهم القرآن وفرض وجوده عليهم عمدوا - بما أوتوا من خبث ومكر وخداع - إلى تفريغه من مضمونه وعزله عملياً عن واقع الحياة وحوّلوه إلى ما يشبه الأناشيد والأغاني التي يترنم بها المطربون ويعبر الجالسون عن طربهم بصيحات ( الله الله يا شيخ ) وحوّلوه إلى تعويذات يُعلقّها على صدورهم أو في بيوتهم لا أزيد من ذلك . وهذا الأسلوب كما ترى أخطر من أسلوب النضر بن الحارث وأمثاله وأشد مكراً وأفتك أثراً . ومن التصرفات البارزة التي يتصف بها الجاهليون : هي الجمود على التقاليد الموروثة عن السلف والتزمت في الالتزام بها وعدم الخروج عنها وإن قام الدليل والحجة على خلافها . وهذا التصرف نتيجة التحجر وعدم السلامة في التفكير وتحكيم العاطفة باعتبار أن الشيء الذي تتوالى عليه أجيال من الآباء والأجداد يكتسب قداسة يصعب اختراقها . وقد كرر القرآن هذا المعنى كثيراً
خطاب المرحلة — صفحة 130 | الشيخ محمد اليعقوبي