وعلى كل شيء ، نعم ، لكن هذا لا يمنع من أن يأخذ نصيبه من الدنيا من دون أن يجعله هدفا وغاية وإنما يوظفه لخدمة الهدف الحقيقي وهو رضا الله تبارك وتعالى :
( وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ )
( القصص : 77 ) ، فليس النقص والخلل في حيازة الدنيا لذا قيل :
( الدنيا مزرعة الآخرة ) « 1 »
وفي حديث آخر :
( الدنيا متجر أولياء الله ) « 2 »
ففيها يتاجرون مع الله تجارة لن تبور .
ومن سمات الجاهلية التشتت والتفرق والتمزق ، قال تعالى :
( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ )
( الروم : 31 - 32 ) ، وكل ذلك بسبب تضييعهم للمحور الواحد الذي يجب أن يجتمعوا حوله وهو توحيد الله تبارك وتعالى ، وجعلت الكعبة المشرفة رمزاً له ، لكن المجتمع البعيد عن الله يتمزق دولًا وبلداناً أولًا ، حتى وصل عدد دول العالم اليوم أزيد من ( 180 ) دولة ويتمزق أجناساً ويتفرق قوميات حتى داخل البلد الواحد ويتمزق فكرياً فهذا شيوعي وهذا رأسمالي وهم أبناء بلد واحد وقومية واحدة ودين واحد ويتمزقون آيديولوجيا حتى داخل الدين الواحد بل داخل المذهب الواحد وكل طائفة تنقسم على نفسها فرقاً وهكذا :
( كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ )
( المؤمنون : 53 ) ، وقد نبه القرآن إلى أن هذا التفرق هو إحدى عقوبات الابتعاد عن المنهج الإلهي : قال تعالى :
( قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ )
( الأنعام : 65 ) ، وجاء الإسلام ليوحدهم بهذا القرآن قال تعالى :
( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ
هامش
( 1 ) عوالي اللآلي : 1 / 267 .
( 2 ) منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة : 15 / 203 .