عرض الإشكال الرئيسي من زواية عقلية . فنقول : اننا بعد ان أنكرنا وجود الزمان يشتد الإشكال وضوحا ، لأن مؤداه : ان الذات تزول بزوال المبدأ ، أي الاتصاف الذي هو فرع وجود المتصف . فإذا لم تكن الذات المتصفة موجودة ، فالوصف غير موجود . فضلا عن الحديث عن زوالها ، فإنه فرع وجودها .
اما المبدأ فموجود لا لكونه صفة لذات ، بل هو قائم وحده . وقد وجد وانعدم ، بصفته عرضا من الأعراض ، أو حتى جوهرا من الجواهر . ولا يوجد ما يسمى بالزمان خارجا ولا واقعا . وإنما هو مفهوم انتزاعي ثانوي يكون في طول نسبة حدثين إلى بعضهما البعض .
واما الحدث الواحد ، فلا معنى للزمان فيه . وإنما نحس فيه بالزمان باعتبار قهرية الإحساس بنسبته إلى الأمور الأخرى . أو باعتبار الشعور العرفي بالزمان ، كما سيأتي .
إذن ، فذات الزمان غير موجودة لا حال التلبس ولا بعده . فيكون الإشكال أوضح ورودا ، بناءا على هذه النظرة ، وأولى بالخروج عن محل النزاع .
ولو تنزلنا وقبلنا وجود الزمان عقلا ، كما قبله الأصوليون بشكل ساذج ، أمكن ان نتصور تصورين لوجود الزمان لكي تترتب عليهما نفس النتيجة :
التصور الأول : ان نقبل وجود الزمان عقلا ، مكونا من مجموع الآنات ، لكن هذه الآنات غير متلازمة . ولا تشكل - عقلا - ذاتا مستمرة . وإنما كل لحظة قائمة بنفسها .
وفي كل مجموع الآنات تتكوّن الحركة . إذن ، فمجموعة من الآنات كانت متصفة بالمبدأ ، فيكون زوال الذات بزوال المبدأ صحيحا .
التصور الثاني : ان نتصور للزمان وجودا واقعيا معلوم الحركة والصفة ، ويكون معلولا واقعيا للزمانيات ، وفي طولها . الا انه واقعي أولي وليس انتزاعيا ثانويا . ومع ذلك لا وحدة بينها . نعم يكون الزمان واحدا بوحدة الحادث فيه . لأن الواحد يصدر منه الواحد . فإذا زال الحادث زالت العلة ، فزال المعلول .
فعلى كل صورة لا يمكن بقاء الزمان عقلا ، بعد زوال الاتصاف .
المشتق عند الأصوليين — صفحة 43
مساهمون: الشيخ محمد اليعقوبي
ص٤٣