وكما يكون الذهن والعقل حجة في إدراك أصل الوجود . كذلك يكون حجة في إدراك تفاصيله وخصائصه وأوصافه .
ومحل الشاهد : ان الذهن إذا أوصل لنا إدراكا صحيحا على أن هذا الشيء المدرك - بالفتح - واقعي وليس خارجيا . فعلينا ان نصدقه .
فالمسألة تعود إلى مقدار إدراك الذهن لهذه الحقيقة . والذهن مخول في ذلك وحجة فيه . فهذه هي الكبرى .
اما الصغرى : فان بعض الجزئيات ، كالنسب ، إنما قال ذهننا وأدرك انها واقعية وليست خارجية .
الوجه الرابع : ان الصورة الذهنية جزء من النفس ، ومفاضة من قبل النفس . فإذا ضممنا إلى ذلك مقدمة تقول : ان العلم عين العالم ، وهو النفس . والنفس خارجية ، إذن فالصورة الذهنية التي هي جزء منها ، هي من عالم الخارج .
ففي أي قضية ، كقولنا : البساط ازرق ، مثلا ، تكون الصورة الذهنية للطرفين جزء من النفس . اما النسبة بينهما فهي توجد تكوينا في عالم النفس ، وليست مفاضة من قبل النفس . وذلك بعد الإذعان بصدق القضية .
ولو كانت النسبة مفاضة من قبل النفس لكان التصديق مفاضا ، وهذا خلاف الواقع . بدليل انه قد يكون موافقا للواقع وقد يكون مخالفا .
فيتعين أن تكون النسبة ليست مفاضة : أي ليست خارجية .
الوجه الخامس : ان عالم الخارج هو عالم العلل والمعلولات ، ابتداءا من الواجب جل وعلا ، وانتهاءا بالجزئيات التفصيلية . وليست العلل والمعلولات من الكليات ، لأن ظرفها الخارج الذي هو ظرف العلية والمعلولية ، وكذلك فان الخارج ظرف الجزئيات وليس ظرف الكليات .
ينتج من ذلك : ان ما لا يندرج ضمن هذه السلسلة ، مما ثبتت صحته ، فهو ليس خارجيا بل واقعي .
المشتق عند الأصوليين — صفحة 130
مساهمون: الشيخ محمد اليعقوبي
ص١٣٠