الثانية : قوله تعالى :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
. فإنها بحسب الفهم المشهوري : ان الأمر هنا مفرد أوامر . والشيء هو الشيء الخارجي .
وأريد ان اقترح فهما آخر : بان يكون الأمر هنا مفرد أمور . ويكون إشارة إلى عالم الأمر والواقع . ان المعدوم لا يخاطب بهذا الخطاب . فهذا الخطاب يتحقق في شكل من أشكال الوجود : نسميه عالم الواقع لا الخارج .
فيكون معنى ( إنما أمره ) أي عالم الواقع المضاف إلى اللّه سبحانه ( إذا أراد ) ان ينقل ( شيئا ) واقعيا ليجعله خارجيا ، فإنما يأمره فيطيع ، فيلبس ثوب الخارج بعد ان كان واقعيا . وكلا العالمين موجودان .
وقد يناقش هذا : بأنه من الفهم الباطني للقرآن الكريم . وهو ليس بحجة . وجوابه :
اننا لا ننفي الحجية عن الفهم الباطني للقرآن مطلقا ، بل نقول : انه ما دام الوجدان يفهمه ويلتفت إليه ويناسب حاله ومستواه ، فهو حجة عليه .
الثاني : الاستدلال بالعقل .
وما يمكن ان يستدل به نحوان :
النحو الأول : ان اللّه سبحانه خلق الذهن كاشفا عن الواقع وعن خارج الذهن وخارج الذات . وان الصورة الذهنية تدل صاحبها على أن شيئا ما هو خارج الذهن موجود .
فنستطيع ان نقول : ان الأصل مطابقة الصورة الذهنية للخارج ، الا ما ثبت بدليل كجبل من ذهب أو بحر من نار .
ثم إن ما يصل إلى الذهن على أشكال :
منها : ما يصل عن طريق المحسوسات ، فهو الخارج .
ومنها : ما نعلم بصحته كمفهوم تصوري وخطور ذهني ، ككلي الإنسان أو الحيوان ، في حين ان الكلي لا يوجد في الخارج وليس الخارج ظرفا للكليات ، فمن هذه الناحية فهو معدوم في الخارج . ولكنه مع ذلك صادق ومطابق للواقع ، بدلالة الصورة الذهنية ، فيتعين ان يكون موطنه عالم الواقع .